2026-06-15

فيحاء وانغ تكتب: مهرجان شانغهاي السينمائي الدولي يمثل جسراً حيوياً للحوار بين الحضارتين الصينية والعربية

بقلم: الإعلامية الصينية فيحاء وانغ شين

يصادف هذا العام الذكرى السبعين لتأسيس العلاقات الدبلوماسية بين الصين ومصر، حيث تواصل روابط الصداقة التي تشكلت عبر سبعة عقود من التاريخ المشترك تجددها وحيويتها من خلال تلاقح الحضارات. وقد انطلقت فعاليات الدورة الثامنة والعشرين لمهرجان شانغهاي السينمائي الدولي في موعدها المحدد؛ ويُعد هذا الحدث الكبير الذي يستعرض إبداعات الفن السينمائي من شتى أنحاء العالم- فرصةً ممتازة للصين لتعزيز التبادل الثقافي وتوطيد الروابط الشعبية مع مصر والعالم العربي بأسره. إن استخدام السينما كوسيلة ملموسة، والاستفادة من منصة المهرجان لفتح قنوات للتبادل السمعي البصري بين الصين والدول العربية، يمثلان مساراً عملياً  في هذا العصر الجديد لتعزيز التعلم المتبادل بين هاتين الحضارتين العريقتين وترسيخ دعائم الصداقة الشعبية.

وتُعد كل من الصين ومصر مهدين للحضارات العريقة. وعلى مدى آلاف السنين، ربط “طريق الحرير” البرية و”طريق التوابل” البحرية بين المنطقتين عبر التبادل التجاري والثقافي، وتُشكل فنون السينما والتلفزيون امتداداً عصرياً لتلك المسارات التاريخية. فمنذ إقامة العلاقات الدبلوماسية قبل سبعين عاماً، تطورت العلاقات بين البلدين من مجرد تعاون اقتصادي إلى شراكة شاملة، حيث يمثل التبادل الشعبي والإنساني ركيزة دافئة ومحورية لهذه الروابط. وبفضل لغتها البصرية والسمعية المباشرة، تتجاوز الأفلام حواجز الجغرافيا واللغات والعادات، لتصبح وسيلة فعالة ومتاحة للجميع لتعزيز الدبلوماسية الشعبية. ومقارنةً بالتقارير المكتوبة، تنجح المشاهد المصورة التي تنقل صخب الحياة اليومية، ومشاعر الحنين إلى الوطن، والملامح الإنسانية في ردم الفجوة بين الثقافتين الصينية والعربية، مما يتيح للمواطنين العرب العاديين تجاوز الصور النمطية والتعرف عن كثب على الواقع الصيني المعاصر الأصيل والنابض بالحياة.

انطلاقاً من رؤية دولية، يُرسّخ مهرجان شانغهاي السينمائي الدولي في دورته الثامنة والعشرين منصةً عمليةً لتعزيز التعاون السينمائي والتلفزيوني بين الصين والعالم العربي. وفي مسعىً للوصول إلى مستخدمي الإنترنت العرب، يروّج المهرجان لمجموعة مختارة بعناية من الأفلام الصينية التي تتناول موضوعات متنوعة مثل الثقافة التقليدية، والتنمية الريفية، والحياة الحضرية، وصون التراث الثقافي غير المادي بالتزامن مع استعراض أعمال مصرية واقعية مرموقة وأفلام قصيرة لمخرجين صاعدين. وتُعد إقامة قسم خاص للعروض السينمائية تحت عنوان “سينما النيل” خطوةً مبتكرةً لتعزيز التبادل الثقافي الصيني-العربي؛ إذ يعتمد المهرجان أساليب تواصل مصممة خصيصاً لتلائم طبيعة منصات التواصل الاجتماعي في العالم العربي مثل المنشورات المطولة التي تستعرض الجوهر الثقافي للأفلام ومقاطع الفيديو القصيرة التي تعرض مشاهد كلاسيكية، مما يتيح له الوصول بفعالية وكفاءة عالية إلى قاعدة جماهيرية واسعة من مستخدمي الإنترنت العاديين، متجاوزاً بذلك حدود قاعات العرض التقليدية ليصل إلى صلب النقاشات والتفاعلات الرقمية في العالم العربي. وفي هذا الصدد، قالت المنتجة التونسية درة بوشوشة، عضو لجنة تحكيم “جائزة الكأس الذهبية” في مهرجان شانغهاي السينمائي الدولي إنه على الرغم من الحواجز اللغوية والثقافية، يتمتع التعاون السينمائي الصيني العربي بمستقبل واعد، وذلك مع تعمق التفاهم المتبادل بين الشعبين وتزايد الاهتمام المتبادل بينهما.

وتجسد الأفلام قصص الحياة الإنسانية وتعكس روح الأمة؛ إذ تقدم الأفلام الصينية المحلية التي تبرز مدن المياه في الجنوب، والصحارى الشاسعة في الشمال الغربي، وحرف التراث الثقافي غير المادي، والحياة اليومية للناس العاديين صورةً حيوية ومتعددة الأوجه للصين أمام الجمهور العربي. وفي المقابل، تتيح الأفلام المصرية -التي تصور الحياة على ضفاف النيل، وكفاح المواطنين العاديين، والتقاليد الثقافية الإسلامية للمشاهدين الصينيين التعرف على الجوانب المتنوعة للمجتمع العربي. ومن خلال مشاهدة هذه الأفلام ومناقشتها، يكتشف الناس في الصين والعالم العربي تطلعاتٍ مشتركة نحو حياة أفضل، وروابط أسرية متينة، وتنمية سلمية؛ وحينها، لا تعود الاختلافات الحضارية عائقاً أمام التواصل، بل تتحول إلى سمة فريدة تعزز التقدير المتبادل.

ويتطلب استثمار “مهرجان شانغهاي السينمائي الدولي” لتعميق التعاون السينمائي والتلفزيوني بين الصين والدول العربية إرساء آليات طويلة الأمد للإنتاج المشترك، وتنظيم معسكرات تبادل للمخرجين الشباب، وبرامج تدريب مهني متخصصة. وانطلاقاً من هذا المهرجان، تهدف المبادرة إلى تشجيع المبدعين الصينيين والعرب على استلهام الأفكار من تاريخ “طريق الحرير” وواقع الحياة المعاصرة، لإنتاج أعمال أصيلة تلامس الذائقة الجمالية لكلا الثقافتين وتعكس تمازج الحضارات.

لقد أثمرت العلاقات الدبلوماسية الممتدة لسبعة عقود ثماراً وفيرة، وها هي السينما بسحرها الخاص تنسج اليوم روابط جديدة. وفي إطار الاحتفاء بالذكرى السبعين للعلاقات الدبلوماسية بين الصين ومصر، يساهم توظيف مهرجان شانغهاي السينمائي الدولي كمنصة لتعزيز التبادل السينمائي والتلفزيوني وبناء جسر للحوار الحضاري عبر الشاشة في إحياء روح “طريق الحرير” القديم؛ إذ يعمل ذلك باستمرار على تقريب المسافات الوجدانية بين الشعبين الصيني والعربي، وضمان توارث الصداقة بين الأجيال وسط تداخل الضوء والظلال، مما يضفي زخماً ثقافياً مستداماً على مسيرة بناء مجتمع صيني-عربي ذي مستقبل مشترك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *