افتتاحية: وداعاً لآخر أسطورة.. وروح “المسيرة الطويلة” باقية
توفيت وانغ تشيوان يينغ، آخر جندية على قيد الحياة من جيش التحرير الشعبي الصيني ممن شاركن في “المسيرة الطويلة” الأسطورية، بسلام صباح اليوم الأربعاء في منزلها في مدينة دوجيانغيان بمقاطعة سيتشوان
افتتاحية:المشهد الصيني
بهدوءٍ يُميز الأبطال، غادرتنا “وانغ تشوان يينغ”، آخر محاربة من الجيش الأحمر شاركت في “المسيرة الطويلة” الأسطورية، تاركةً وراءها قرناً وخمسة أعوام من التاريخ الحي، ومُسدلةً الستار على جيلٍ كاملٍ حمل على كتفيه حلمَ أمةٍ بأكملها. إن رحيلها ليس مجرد خبر عابر، بل هو لحظةٌ تاريخيةٌ تستدعي التأمل، وتُلقي على الصين والعالم بأسره دروساً خالدة عن معنى التضحية والإيمان والولاء.
“المسيرة الطويلة” ليست مجرد فصلٍ من فصول التاريخ العسكري الصيني، بل هي الأسطورة المؤسسة للصين الحديثة، والرمز الأسمى لصمود شعبٍ رفض الاستسلام، وقطع 12,500 كيلومتر على الأقدام، عبر جبالٍ مغطاة بالثلج، ومستنقعاتٍ غادرة، ومعاركٍ ضارية، من أجل فكرةٍ واحدة: أن تُبنى دولةٌ حرةٌ كريمةٌ لشعبها.
وقد كانت “وانغ” – الفتاة التبتية التي التحقت بالجيش الأحمر في الرابعة عشرة من عمرها – تجسيداً حياً لهذه الروح، حين حملت الجرحى، وطحت الحبوب، وعبرت الجبال حافية القدمين، لتفقد إصبع قدمها ثمناً لوطنٍ لم تعرفه فحسب، بل أحبته حتى النخاع.
اليوم، ومع رحيل آخر شاهدٍ حيٍّ على تلك الملحمة، قد يظن البعض أن صفحةً قد طُويت. لكن الحقيقة مختلفةٌ تماماً. فبينما تودع الصين محاربتها الأخيرة، فإنها تُجدد العهد مع روح “المسيرة الطويلة” التي لا تموت، والتي تتجلى اليوم في “المسيرة الطويلة الجديدة” للتجديد الوطني. روحٌ تتجلى في المعامل التي تصنع الذكاء الاصطناعي، وفي المصانع التي تُنتج السيارات الكهربائية، وفي القرى التي تتحرر من براثن الفقر، وفي الموانئ التي تربط الصين بالعالم عبر “الحزام والطريق”.
لقد علّمتنا “وانغ” درساً أبدياً: أن الأمة التي تنسى أبطالها، تفقد بوصلة مستقبلها. ولذلك، لم تكن الصين يوماً مجرد دولةٍ تحتفي بماضيها، بل هي حضارةٌ تستلهم من ماضيها قوةً لدفع عجلة مستقبلها. إن “المسيرة الطويلة” اليوم لم تعد مجرد ذاكرةٍ تُحفظ في المتاحف، بل هي منهج حياة، وخريطة طريق لكل صينيٍ يطمح لبناء وطنٍ أقوى، ومجتمعٍ أكثر عدلاً، وحضارةٍ أكثر إشراقاً.
رحلت “وانغ تشوان يينغ”، لكن رايتها لم تسقط. ورحل جيلٌ كاملٌ من أبطال “المسيرة الطويلة”، لكن إرثهم يسير اليوم على أقدام 1.4 مليار صيني، يقطعون مسيرتهم الجديدة نحو الحلم الصيني بالتجديد الوطني العظيم.
وداعاً أيتها البطلة.. فمسيرتك لم تنتهِ، بل بدأت للتو في قلوبنا.
