2026-07-22

  تنغ تنغ  و ليو جيايي تكتبان : من شاشة الهاتف إلى العالم.. كيف أصبحت الدراما الصينية القصيرة جسرًا للتواصل الثقافي

تنغ تنغ أستاذة اللغة العربية بكلية الدراسات الأجنبية بجامعة هونان للمعلمين مع طالبتها ليو جيا يي تكتبان مقال عن الدراما الصينية القصيرة التي تُشاهد بالشاشة العمودية المتسمة بإيقاع سريع وتتراوح مدة الحلقة الواحدة فيها بين عشرات الثواني وعشرين دقيقة والتي اصبحت ظاهرة ثقافية صينية تنتشر عالميا.

  بقلم: تنغ تنغ  و ليو جيايي*

١. تنغ تنغ (Teng TENG)، أستاذة تخصص اللغة العربية بكلية الدراسات الأجنبية بجامعة هونان للمعلمين

٢. ليو جيايي(Jiayi LIU)، طالبة تخصص اللغة العربية بكلية الدراسات الأجنبية بجامعة هونان للمعلمين

في الوقت الراهن، يتابع الجمهور في الشرق الأوسط عبر هواتفهم قصص العائلات الثرية بنسختها المحلية المعدّلة، ويقوم مدوّنو اليوتيوب بإعادة إنتاج مسرحيات النهوض والانبعاث الصينية باللغة العربية، بينما تحتل تطبيقات الدراما القصيرة الصينية صدارة قوائم المنصات في تركيا والسعودية. واليوم، لم تعد الأفلام والمسلسلات الطويلة وحدها ما ينتشر خارج الصين، إن الدراما الصينية القصيرة التي تُشاهد بالشاشة العمودية المتسمة بإيقاع سريع وتتراوح مدة الحلقة الواحدة فيها بين عشرات الثواني وعشرين دقيقة، أطلقت ظاهرة ثقافية صينية تنتشر عالميا.
بفضل مزاياها الفريدة المتمثلة في انخفاض التكلفة وسرعة الإنتاج وسهولة الانتشار الواسع، انطلقت الدراما القصيرة إلى الأسواق العالمية بوتيرة متسارعة بعد تحقيقها النجاح الكبير في السوق المحلية الصينية. وخلال سنوات قليلة، تحوّلت شاشة الهاتف الصغيرة إلى جسر رقمي جديد يروي حكايات الصين ويقيم حوارًا بين الثقافات.
أولاً: ازدهار السوق المحلية يضع الأسس للانطلاق إلى الأسواق العالمية
شهدت صناعة الدراما القصيرة في الصين نموًا متسارعا خلال السنوات الأخيرة، حيث قفز حجم السوق من ٣٦٨ مليون يوان عام ٢٠٢١ إلى مستوى يتجاوز ١٠٠ مليار يوان عام ٢٠٢٥، مع تفوق معدل نموها بكثير على قطاع السينما والتلفزيون التقليدي. وفي الوقت الراهن، يتابع قرابة ٧٠٠ مليون مستخدم للإنترنت في الصين الدراما القصيرة بانتظام، ويتساوى متوسط مدة المشاهدة اليومية لديهم مع الوقت الذي يقضونه على تطبيقات التواصل الاجتماعي الرئيسية. وقد تجاوز هذا النمط من الاستهلاك الثقافي حواجز المدن والطبقات، حيث تتجاوز نسبة المستخدمين من مدن الدرجة الثالثة وما دونها ٦٠٪، فيما يشهد المحتوى الموجّه لكبار السن توسعًا مستمرًا. وما كان ترفيهًا متقطعًا هامشيًا في الماضي، تحوّل اليوم إلى سلعة استهلاك ثقافي جماهيري شامل، حيث يُعرض أكثر من ثلاثين ألف عمل جديد سنويًا، مما يعكس بوضوح الطلب الجماهيري الكبير على المحتوى البصري الخفيف.
إن التوسع السريع لصناعة الدراما القصيرة والاتساع المطرد لقاعدة جمهورها، يعود في جوهره إلى كونها وعاءً للاستهلاك العاطفي يتلاءم مع إيقاع المجتمع الحديث المتسارع. فجمهور المدن الصغيرة والمتوسطة يتوق إلى نشوة النهوض والانبعاث التي تمنحها الحبكات الدرامية، وكبار السن يحتاجون إلى محتوى يسد فراغهم العاطفي؛ وفي ظل تقلص أوقات الفراغ أمام الإنسان المعاصر، تلبي الدراما القصيرة، بأسلوبها السردي المباشر والبسيط، احتياجات الجمهور النفسية بدقة متناهية، لتتحول إلى بديل روحي هام للإنسان الصيني المعاصر وإلى نمط جديد من أنماط الاستهلاك الثقافي. والواقع أن الحاجة العاطفية الجماهيرية إلى الإيقاع السريع وحبكات الصراع المكثف ليست حكرًا على الصين، بل إن القوالب السردية الناضجة التي اختبرتها السوق المحلية مرارًا وأثبتت جدواها، قد وفرت للدراما القصيرة المتجهة إلى الخارج خبرات ناضجة قابلة للتكرار.
ثانيًا: الإقبال الجماهيري المتصاعد في الأسواق الخارجية. الدراما الصينية القصيرة تفرض حضورها عالميًا
حققت الدراما القصيرة الصينية حضورًا متناميا في الأسواق الخارجية، مسجلة نموًا متسارعًا على الصعيد العالمي. ففي عام ٢٠٢٥، بلغت عائدات الدراما القصيرة الصينية في الأسواق الخارجية ٢.٣٢٩ مليار دولار أمريكي، بزيادة سنوية بلغت ١٣٣٪، فيما وصل إجمالي عدد مرات التحميل التراكمية في الخارج إلى ١.١٩٩ مليار مرة. وتستحوذ تطبيقات الدراما الصينية القصيرة على أكثر من ٩٠٪ من حصة سوق الدراما القصيرة العالمية. وقد برزت منصات صينية مثل صندوق الدراما (Drama Box) ويودراما (You Drama) بقوة في سوق الشرق الأوسط، حيث تحتل صندوق الدراما باستمرار مراكز متقدمة في قوائم الترفيه على جوجل بلاي (Google Play)؛ وكان الشرق الأوسط أسرع مناطق العالم نموًا في قطاع الدراما القصيرة عام ٢٠٢٥، إذ قفزت العائدات في تركيا بأكثر من عشرة أضعاف، وفي السعودية بأكثر من ثمانية أضعاف.
وفي الوقت ذاته، أسهمت تقنيات الذكاء الاصطناعي في إضفاء الطابع الجماهيري على عملية الإنتاج الإبداعي، وخفضت تكاليف إنتاج الدراما القصيرة وتوزيعها بشكل كبير، مما أتاح لصغار المبدعين إنتاج محتوى رفيع الجودة. وإلى جانب المنصات المتخصصة في الدراما القصيرة، حظي مدوّنون صينيون يتفرغون لإنتاج نسخ محلية معدّلة على منصات التواصل الاجتماعي الخارجية بمتابعة واسعة: فقناة اس دراما (S Drama) المتخصصة في الدراما القصيرة باللغة العربية على يوتيوب تضم ١٩٩ ألف مشترك، وقناة فنون الذراع (Arm Arts) تجاوز عدد متابعيها ٧٥٦ ألفًا، لتواصل الدراما الصينية القصيرة بذلك تشييد قنوات جديدة للتواصل الثقافي بين مختلف مناطق العالم.
يكمن سر قدرة الدراما الصينية القصيرة على التكيف مع الأسواق الخارجية في قوالبها السردية الناضجة المقترنة بتكييف محلي دقيق. فالأطر السردية الرائجة التي أثبتت نجاحها في السوق المحلية، مثل “المدير المتسلط” و”الزوج المحتقر” و”انبعاث المعدمين”، يعاد تشكيلها وفق خصوصيات كل ثقافة محلية. وفي سوق الشرق الأوسط، تتحول هذه الموضوعات إلى قصص عن “شرف العائلة” و”الحب المأساوي بين العائلات الثرية” و”النزاعات القبلية”، بما يتواءم مع منظومة القيم المحلية. وقد حقق العمل المحلي العين السحرية (The Magic Eye)، المستند إلى قالب الانبعاث من القاع وقوى خارقة، ٢.٤٣ مليون مشاهدة على يوتيوب؛ فيما حقق عمل “الانتقام الفارسي” المنتج بتقنيات الذكاء الاصطناعي عائدات بلغت ٥٠٠ ألف دولار أمريكي خلال ٧٢ ساعة فقط من إطلاقه، ليصبح نموذجًا للعمل الناجح في الأسواق الخارجية.
تحتل قيم الكرامة والشرف الأسري والتضامن الاجتماعي مكانة مهمة في العديد من المجتمعات العربية، وهو ما يفسر تقبل الجمهور لبعض الأنماط الدرامية القائمة على استعادة الحقوق وتحقيق العدالة. وقد صاغت الحروب والاضطرابات التي عصفت بالمنطقة في العصر الحديث شخصية شعوب الشرق الأوسط الصلبة، فجاءت الدراما القصيرة التي تزخر بمشاهد الإذلال والخيانة والانبعاث من قلب المحنة لتلامس وجدان المشاهد المحلي المثقل بجراح الحروب وضغوط الواقع، مانحة إياه متنفسًا عاطفيًا وعزاءً نفسيًا.
ثالثًا: تحديات راهنة متعددة تواجه التوسع في الخارج
رغم الزخم القوي الذي تشهده الدراما القصيرة في توسعها الخارجي، لا يزال القطاع يواجه أربع تحديات جوهرية على المدى البعيد.
١. تفاقم مشكلة تشابه المحتوى. إذ تتجاوز نسبة الأعمال المعتمدة على القوالب النمطية مثل “المدير المتسلط” و”الانبعاث من القاع” و”الحب العذب” ٦٠٪، حيث تكتفي أعداد كبيرة من الأعمال بمجرد استبدال الممثلين واللغة في عملية إعادة تصوير سطحية، مفتقرة إلى روح الابتكار، مما دفع بالجمهور الخارجي إلى الانتقال تدريجيًا من نشوة الجديد إلى الإرهاق من التكرار.
٢. معضلة الربحية التجارية. تتجاوز نفقات التسويق لدى المنصات الكبرى إيراداتها في الغالب، وتستحوذ تكاليف الترويج المدفوع على أكثر من ٨٠٪ من حجم التدفقات المالية، فيما يعجز ما يزيد عن ٩٠٪ من مشاريع الدراما القصيرة على مستوى القطاع عن استرداد تكاليفها، مما يستوجب إعادة النظر في النموذج التجاري على وجه السرعة.
٣. تنامي مخاطر الامتثال التنظيمي في الخارج. فبعض الحبكات قد تمس خطوطًا حمراء قانونية محلية مثل التمييز الجندري والتحرش في بيئة العمل؛ وتنص اللائحة الأوروبية العامة لحماية البيانات على فرض غرامات تصل إلى ٤٪ من إجمالي العائدات السنوية العالمية على الشركات المخالفة، ومع تشديد الولايات المتحدة المستمر للرقابة على المحتوى الرقمي الصيني، باتت منصات الدراما القصيرة تواجه خطر الحظر على غرار ما حدث مع تيك توك.
٤. عجز الترجمة الآلية عن تحقيق تكييف ثقافي معمق. فموضوعات “الطفل الظريف” الرائجة محليًا لاقت استقبالًا باهتًا في السوق الأمريكية، مما استوجب إعادة صياغتها إلى سرديات عن التواصل والتربية بين الآباء والأبناء؛ وفي منطقة الشرق الأوسط حيث تفرض قيود ثقافية صارمة على صورة المرأة ومشاهد تناول الخمر، لا يمكن الاعتماد على الترجمة الآلية وحدها لإنجاز تكييف ثقافي دقيق ومتقن.
لمواجهة هذه المعضلات، لا بد للقطاع من تغيير نهجه التطويري: بالانتقال من الترجمة الحرفية البسيطة إلى الإبداع المشترك العابر للحدود، وتشكيل فرق إبداعية ملمة بالتاريخ والعادات والتشريعات المحلية، والاستناد إلى المنطق التجاري الناضج للدراما الصينية القصيرة، مع تشجيع المبدعين المحليين على سرد حكاياتهم المحلية، بما يحوّل الدراما القصيرة إلى وعاء للتعبير عن التنوع الثقافي.
رابعًا: القيمة الثقافية العميقة لانتشار الدراما القصيرة عالميًا
يمثل انتشار الدراما القصيرة عالميًا نمطًا سرديًا ثقافيًا جديدًا كليًا تصدره الصين إلى العالم في عصر الإنترنت. ويكمن جوهر تفوقها في منطقها السردي الفريد القائم على التكثيف: انعطافات حبكة متلاحقة وتطور درامي متسارع في بضع عشرات من الثواني أو دقائق معدودة، يعكس في عمقه وعي المجتمع الصيني المعاصر الحاد بقيمة الوقت والكفاءة. وهذا “السرد الإيقاعي السريع” ليس مرادفًا للإنتاج الرديء، بل هو تجلٍ واضح للتطور الرقمي المتسارع والنمو الاجتماعي المزدهر.
فعلى شاشة الهاتف الصغيرة، يُمكن عرض حكايات الأزياء الصينية التاريخية العريقة بقدر ما يُمكن تصوير مشاهد الحياة المعاصرة للصينيين، بل أبعد من ذلك تمثيل حكايات محلية من الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية وأوروبا وأمريكا وغيرها من بقاع العالم. وتجسد هذه السمة جوهر الثقافة الصينية القائم على الانفتاح والتسامح: فانتشار الدراما القصيرة ليس تدفقًا ثقافيًا باتجاه واحد، بل هو مدّ جسور التواصل وتجاوز للحواجز القومية والثقافية عبر أواصر المشاعر الإنسانية المشتركة. ونحن لا نسعى إلى تصدير عقائد قيمية أحادية جامدة، بل إلى إقامة قنوات للحوار الحضاري بلغة العواطف المشتركة في سياق التنوع الثقافي العالمي، وهنا يكمن المصدر الدائم للحيوية لتلاقح الحضارات.
خامسًا: آفاق مستقبل القطاع
يبرهن نجاح الدراما الصينية القصيرة في الأسواق الخارجية على قدرة الصين الإبداعية الهائلة ومخيلتها الثقافية الخصبة، ويدفع بالمشهد الثقافي العالمي من الهيمنة الأحادية القطب نحو التعددية والتعايش. لقد أنشأت منصات الدراما القصيرة قنوات تواصل جديدة عابرة للحدود، أتاحت لشعوب المناطق المختلفة فرصة تلاقح الأفكار والتعاطف الوجداني فيما بينها.
وبالنظر إلى المستقبل، سيواصل التطور المطرد لتقنيات الذكاء الاصطناعي خفض عتبة الإنتاج الإبداعي، ومن المتوقع أن ترتفع نسبة الأعمال المنتجة محليًا في الخارج إلى ٤٤٪ بحلول عام ٢٠٢٦؛ لتصبح الأسواق الصاعدة كالشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية وأفريقيا المحركات الرئيسية للمرحلة التالية من النمو. إن نجاح الدراما القصيرة الصينية في الخارج ليس مجرد نجاح تجاري فحسب، بل هو تجلٍ لانفتاح الصين الثقافي وقدرتها على الابتكار السردي المعاصر. من دراما العائلات الثرية بنسختها المحلية إلى حكايات أبطال القبائل الأصيلة، ومن سرد حكايات الصين الذاتية إلى الإبداع المشترك لقصص التنوع العالمي، ولا تزال رحلة الدراما الصينية القصيرة نحو العالمية في بدايتها، إلا أنها نجحت بالفعل في بناء جسر ثقافي رقمي جديد يصل بين الشعوب عبر شاشة الهاتف المحمول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *