أيمن أحمد محمد يكتب: الصين والسودان..خارطة طريق استراتيجية للنظام المصرفي السوداني للاستفادة من الإعفاءات الجمركية الصينية وتعزيز الصادرات السودانية
يمثل القرار الصيني بإعفاء واردات أفريقيا من الرسوم الجمركية فرصة تاريخية للسودان، لكن الاستفادة منها تتطلب تحولاً جذرياً في نظامه المصرفي. يكمن الحل في تبني تقنية البلوكتشين لإنشاء منصة رقمية للمدفوعات ، مع تطوير آليات تسوية مباشرة بين الجنيه السوداني واليوان الصيني، وإصدار أدوات تمويل مبتكرة مثل الصكوك المرتبطة بالسلع الاستراتيجية (الذهب والمعادن النادرة).
جمارك صفرية افريقيا السودان الصين
بقلم: أيمن أحمد محمد – مصرفي تنفيذي وباحث في الاستراتيجية والاقتصاد
يمثل القرار الصيني الأخير بإعفاء واردات إفريقيا من الرسوم الجمركية نقطة تحول في العلاقات الاقتصادية بين بكين والقارة السمراء. فقد أعلن الرئيس شي جين بينغ عن تطبيق الإعفاء الكامل ابتداءً من مايو 2026، في خطوة تهدف إلى تعزيز التجارة الثنائية التي بلغت 348 مليار دولار في عام 2025. هذا القرار يعكس رغبة الصين في معالجة العجز التجاري لصالحها، حيث بلغت صادراتها لإفريقيا 225 مليار دولار مقابل واردات بـ123 مليار فقط، لكنه في الوقت ذاته يفتح الباب أمام فرص غير مسبوقة للدول الإفريقية، ومنها السودان، لإعادة صياغة موقعها في الاقتصاد العالمي.

الصين تسعى من خلال هذه الخطوة إلى فتح أسواقها أمام المنتجات الإفريقية الزراعية والصناعية، وتعزيز نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي في القارة، وربط إفريقيا بشكل أوثق بمبادرة الحزام والطريق عبر البنية التحتية التجارية واللوجستية. غير أن هذه المكاسب قصيرة المدى قد تتحول إلى تحديات طويلة المدى إذا لم تعمل الدول الإفريقية على تنويع شركائها وتطوير صناعاتها المحلية، إذ أن الاعتماد المفرط على السوق الصيني قد يضعف القدرة التفاوضية ويجعل الاقتصادات الإفريقية رهينة لتقلبات الطلب الخارجي.
بالنسبة للسودان، فإن هذه المبادرة تفتح نافذة استراتيجية لإعادة بناء قطاعه المصرفي والمالي على أسس حديثة، بما يمكنه من الاستفادة من الإعفاءات الجمركية وتحويلها إلى نمو اقتصادي ملموس. هنا تبرز أهمية تقنية البلوكتشين، التي لم تعد مجرد أداة مالية بل أصبحت قاعدة بيانات موزعة تعمل كسجل رقمي مشترك، حيث يتم تسجيل المعاملات بشكل متسلسل وآمن وشفاف، ولا يمكن تعديلها بعد التحقق منها. تجارب عالمية مثل شبكة Ripple في المدفوعات الدولية، وIBM Food Trust في سلاسل الإمداد، وإستونيا في إدارة السجلات العامة، تؤكد أن هذه التقنية قادرة على إحداث نقلة نوعية. في السودان، يمكن تبني البلوكتشين تدريجياً عبر القطاع المصرفي لتأمين التحويلات، مكافحة الاحتيال، وتسهيل المدفوعات عبر الحدود. ورغم أن حجم الاستثمار المطلوب يتراوح بين 20 – 50 مليون دولار كبداية، فإن العوائد المحتملة من زيادة الصادرات وتوسيع قاعدة العملاء تجعل هذه الكلفة محدودة نسبياً مقارنة بالمكاسب الاستراتيجية.
لكن التحديات لا يمكن تجاهلها. مشاكل التحويلات بين الجنيه السوداني واليوان الصيني تظل عقبة رئيسية، إذ تعاني من ضعف السيولة وتقلبات سعر الصرف وغياب آليات تسوية مباشرة. كما أن البنية التحتية التقنية تحتاج إلى استثمارات ضخمة في الأمن السيبراني والأنظمة الرقمية، فضلاً عن ضرورة توافق السياسات بين المصارف والجهات الحكومية. الحل يبدأ بتوقيع اتفاق إطار بين حكومة السودان والحكومة الصينية لتسهيل التحويلات الثنائية، يليه الحصول على دعم فني من مكتب ترويج الاستثمار والتكنولوجيا التابع لليونيدو في البحرين لإنشاء المنصة الرقمية، مع التركيز على دعم قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة والتمويل الأصغر ليكون قادراً على المنافسة وتلبية المتطلبات الصينية. تبني المنصة من قبل اتحاد المصارف السوداني بالتنسيق مع وزارة الاتصالات والتحول الرقمي وبنك السودان المركزي سيكون خطوة حاسمة، إلى جانب تطوير آليات تسوية مباشرة بين الجنيه السوداني واليوان الصيني عبر اتفاقيات تبادل عملات.
إلى جانب ذلك، فإن تمويل الصادر يمثل محوراً أساسياً في خارطة الطريق. السودان يحتاج إلى حشد الموارد المالية عبر أدوات مبتكرة مثل المحافظ المتخصصة لتمويل الصادرات أو إصدار صكوك سيادية مرتبطة بالسلع الاستراتيجية كالذهب والمعادن النادرة. هذه الأدوات يمكن أن توفر سيولة مستقرة وتمنح الثقة للمستثمرين المحليين والدوليين، كما أنها تتيح للسودان الاستفادة من الطلب العالمي المتزايد على المعادن النادرة التي تدخل في الصناعات التكنولوجية المتقدمة، وهو ما يعزز قدرة السودان على تحويل موارده الطبيعية إلى رافعة للنمو الاقتصادي.
غير أن المشهد الجيوسياسي يضيف طبقة أخرى من التعقيد. الحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى قد تؤثر بشكل مباشر على تنفيذ المبادرة بالنسبة للسودان. فالتوترات الإقليمية قد تعطل سلاسل الإمداد البحرية في الخليج والبحر الأحمر، ما يرفع تكاليف النقل ويضعف القدرة التنافسية للمنتجات السودانية. كما أن أي تصعيد عسكري قد يدفع الصين إلى إعادة ترتيب أولوياتها في المنطقة، وهو ما قد يؤخر أو يعقد تنفيذ الاتفاقيات التجارية والمالية مع السودان. لذلك، فإن السودان يحتاج إلى استراتيجية مزدوجة: من جهة تعزيز شراكته مع الصين عبر اتفاقيات واضحة وملزمة، ومن جهة أخرى تنويع مساراته التجارية والإقليمية لتقليل المخاطر المرتبطة بالصراعات الدولية.
ختاماً، قرار الصين يمثل بلا شك فرصة تاريخية لإفريقيا، والسودان يمكنه الاستفادة عبر تحديث قطاعه المصرفي وبناء منصة دفع رقمية قائمة على البلوكتشين، مع ابتكار أدوات تمويل جديدة للصادرات. هذه الخطوة ستعزز القدرة التنافسية، تفتح أسواقاً جديدة، وتضع السودان في قلب التجارة الإفريقية–الصينية. غير أن النجاح يتطلب حلولاً مبتكرة، أولها إنشاء تطبيق دولي للمدفوعات بمشاركة الصين والبنوك السودانية، مع توسع لاحق ليشمل بنوكاً خليجية ومصرية، في إطار اتفاقية تعاون استراتيجي تتضمن منتجات سودانية في الزراعة والمعادن النادرة، بما يحول السودان إلى لاعب رئيسي في الاقتصاد الرقمي الإقليمي رغم التحديات الجيوسياسية المحيطة.
