طلاب سودانيون يعبرون إلى العالم عبر “جسر اللغة الصينية”
الخرطوم :المشهد الصيني نقلا عن صحيفة الشعب اليومية اونلاين
وسط أضواء هادئة وأعلام صينية وسودانية معلقة على الجدران وموسيقى صينية خافتة، احتضنت صالة “ريم الذهبية” في مدينة بورتسودان بشرق السودان الأحد النهائي الإقليمي لمسابقة “جسر اللغة الصينية”.
وبدا المشهد داخل القاعة نابضا بالحيوية، على عكس ما يحدث في الخارج، حيث كانت أشعة الشمس الحارقة تفرض حضورها مبكرا على مدينة بورتسودان الساحلية وشوارعها الساكنة محملة برائحة الملح القادمة من الميناء بينما يحاول المارة الاحتماء بظلال المباني القليلة.
وبين مجموعات الطلاب الذين تبادلوا عبارات قصيرة بالصينية ولهجات سودانية متنوعة، كانت الطالبة آلاء أبوبكر من أوائل الواصلين إلى القاعة، تحمل بين يديها أوراقا صغيرة دوّنت عليها آخر الملاحظات استعدادا لانطلاق التصفيات النهائية لمسابقة “جسر اللغة الصينية”.
وفي زوايا القاعة، انشغل متسابقون بمراجعة كلمات خطاباتهم، بينما قام آخرون بتجربة حركات عروضهم الفنية أمام هواتفهم المحمولة، وسط ضحكات متوترة وهمسات امتزجت فيها العربية بالصينية، في مشهد عكس شغف هؤلاء الشباب بلغة باتت بالنسبة لهم أكثر من مجرد مادة دراسية، بل نافذة على عالم أوسع وأحلام تتجاوز حدود الحرب والأزمات التي يعيشها السودان.
وفي القاعة، قدمت آلاء خلال المسابقة عرضا حول فن قص الورق الصيني التقليدي، وهو أحد الفنون الشعبية العريقة في الصين، تعلمته مؤخرا في مركز الماندرين لتعليم اللغة الصينية.
وقالت آلاء، البالغة 23 عاما، وهي تعرض أمام الحضور أشكالا وزخارف قامت بقصها يدويا باستخدام الورق الأحمر التقليدي، إن تعلم اللغة الصينية منحها فرصة للتعرف على تفاصيل جميلة في الثقافة الصينية لم تكن تعرفها من قبل.
وأضافت “عندما أتعلم فنا مثل قص الورق أشعر أنني لا أتعلم لغة فقط، بل أقترب من حياة الناس وثقافتهم، وأرى العالم بصورة أوسع وأجمل”.
ووصفت آلاء التي سافرت من مدينة عطبرة بولاية نهر النيل بشمال السودان إلى بورتسودان، مشاركتها في مسابقة “جسر اللغة الصينية” بأنها تجربة مختلفة ومميزة، وقالت إن تعلم اللغة الصينية جعلها أكثر اهتماما بالتعرف على الشعوب والثقافات المختلفة، وأعطاها ثقة أكبر في قدرتها على التواصل مع العالم خارج حدود السودان.
وأقيمت المسابقة، التي نُظمت من قبل السفارة الصينية بالسودان، وبالتعاون مع مركز الماندرين للغات، ضمن الدورة الـ25 العالمية لمسابقة “جسر اللغة الصينية” لطلاب الجامعات.
وشارك في المنافسة 12 طالبا وطالبة من مركز الماندرين وجامعات سودانية، وقدموا عروضا وخطابات ومواهب عكست شغفهم باللغة والثقافة الصينية، وأظهرت كيف أصبح تعلم اللغة بالنسبة لهم وسيلة للعبور نحو آفاق أرحب.
وفي خطاباتهم التي جاءت تحت شعار “عالم واحد.. عائلة واحدة”، تحدث المتسابقون عن أهمية التقارب بين الشعوب رغم اختلاف الثقافات، مؤكدين أن اللغة قادرة على بناء الجسور وخلق مساحات مشتركة من الفهم والتعاون.
واقتبس عدد من الطلاب أبياتا من الشعر الصيني القديم والحديث، بينما أظهرت فقرة الأسئلة والأجوبة مستوى متقدما في معرفة المشاركين باللغة والثقافة والتاريخ الصيني.
أما فقرة المواهب، فقد تحولت إلى مساحة عبّر فيها الطلاب عن أحلامهم بصورة غير مباشرة، من خلال الغناء باللغة الصينية، وإلقاء الشعر، والعروض الكوميدية، وتقديم نماذج من الفنون التقليدية الصينية.
وتألفت المسابقة النهائية من ثلاث جولات شملت خطابا ذا طابع خاص، وعرضا للمواهب، واختبارا للمعلومات، حيث تنافس المشاركون على مدى نحو أربع ساعات وسط أجواء حماسية وتفاعل كبير من الحضور، وبعد منافسات وُصفت بالقوية والمتقاربة، فازت الطالبة مَعَزة طارق حسن بالمركز الأول في المسابقة.
وقالت مَعَزة، وهي في العشرين من عمرها وطالبة بالمستوى الرابع بقسم اللغة الصينية بجامعة الخرطوم، إن “هذا الفوز يعني لي الكثير، لأنه يمثل ثمرة سنوات من التعلم والتدريب، وأشعر بسعادة كبيرة لأنني استطعت تمثيل جامعتي وزملائي بصورة مشرفة”.
وأكدت أن اللغة الصينية بالنسبة لها ليست مجرد تخصص جامعي، بل نافذة واسعة لفهم العالم بصورة مختلفة وأكثر انفتاحًا.
وقالت “اللغة الصينية بالنسبة لي فرصة لرؤية العالم بصورة أوسع، لأنها تقربني من ثقافة كبيرة وحضارة عريقة وتمنحني القدرة على التواصل مع شعوب مختلفة”.
وأضافت أنها تطمح إلى توظيف اللغة الصينية كعامل مساعد في مسيرتها المهنية مستقبلا، خاصة أنها تحب العمل الدبلوماسي وتحلم بأن تصبح سفيرة لبلادها يوما ما.
ووصف مدير مركز الماندرين للغات موفق عاطف بابكر، المسابقة بأنها رائعة جدا”، مشيرا إلى أن الطلاب السودانيين أظهروا مواهب متعددة تعكس اهتمامهم الحقيقي باللغة والثقافة الصينية.
وقال إن تنظيم مسابقة بهذا الحجم في ظل الظروف التي يمر بها السودان شكّل تحديا خاصا، سواء من ناحية الترتيبات أو تنقل الطلاب ومشاركتهم، لكن الإصرار الكبير من الطلاب والأساتذة جعل إقامة الفعالية ممكنة.
وأضاف “رغم كل التحديات التي يعيشها السودان اليوم، حرصنا على استمرار هذه المسابقة لأنها تمثل مساحة للأمل والطموح بالنسبة للشباب، وتؤكد أن التعليم والثقافة يمكن أن يستمرا حتى في الأوقات الصعبة”.
من جهته، قال مدير القنصليات بوزارة الخارجية السودانية وممثل الحكومة السودانية خلال الفعالية السفير أونور أحمد، إن الاهتمام المتزايد باللغة الصينية وسط الشباب السوداني يعكس التحولات الكبيرة التي يشهدها العالم، مشيرا إلى أن الحكومة السودانية تنظر إلى تعليم اللغة الصينية باعتباره استثمارا في مستقبل الأجيال القادمة وتعزيزا لفرص التواصل العلمي والثقافي والاقتصادي مع الصين.
وأضاف أن هناك سعيا للتوسع في تدريس اللغة الصينية داخل الجامعات السودانية خلال المرحلة المقبلة، عبر إضافتها إلى أقسام الترجمة واللغات الأجنبية في معظم الجامعات، وأشار إلى أن وزارة التربية والتعليم السودانية تعتزم أيضا إدخال اللغة الصينية ضمن مناهج التعليم المدرسي مستقبلا.
وخلال الحفل، قال القائم بأعمال السفارة الصينية لدى السودان شيوي جيان، إن اللغة تمثل جسرا يربط بين القلوب والأرواح، ومن خلالها يتعرف الشباب السودانيون على الصين وثقافتها وحضارتها.
وأضاف أنه تابع باهتمام كبير الأداء الذي قدمه الطلاب خلال المسابقة، معربا عن سعادته وإعجابه بالمستوى الذي أظهره المتسابقون في مختلف مراحل المنافسة.
وقال “من خلال الخطابات وفقرة الأسئلة وعروض المواهب، أظهر الطلاب أساسا متينا في اللغة الصينية وكفاءة متميزة، كما عكست كلماتهم فهما جيدا للثقافة والتاريخ الصينيين، إلى جانب تقديرهم لعلاقات الصداقة بين الصين والسودان”.
ويعد السودان من أوائل الدول العربية التي اهتمت بتعليم اللغة الصينية، إذ توجد في البلاد منصات متعددة لتدريسها تشمل معهد كونفوشيوس ومركز الماندرين وخمس جامعات سودانية تضم أقساما أو كليات للغة الصينية.
وبينما كانت مَعَزة طارق حسن تتأمل الكأس التي حملتها بعد إعلان فوزها بالمركز الأول، بدا الأمر بالنسبة لها أكبر من مجرد انتصار في مسابقة لغوية، فخلف الكلمات الصينية التي تعلمتها منذ العام 2019، كانت هناك رحلة طويلة من الأحلام والرغبة في تجاوز حدود الواقع اليومي الصعب الذي يعيشه كثير من الشباب السوداني.
وقالت مَعَزة إن اللغة الصينية منحتها شعورا بأن العالم لا يزال مليئا بالأبواب المفتوحة رغم كل ما يحيط بالسودان من أزمات وحرب.
وتابعت بابتسامة امتزج فيها الفرح بالطموح، أن “جسر اللغة الصينية” لم يكن بالنسبة لها مجرد اسم مسابقة، بل فكرة حقيقية تختصر ما تبحث عنه هي وكثير من الشباب السوداني: فرصة لرؤية عالم أوسع، واكتشاف طرق جديدة للحياة، وصناعة مستقبل أكثر إشراقا واتصالا بالعالم.
