2026-06-04

 العلاقات الصينية-الألمانية قادرة على العمل كعامل استقرار

بقلم: بيتر بوفينجر* صحيفة تشاينا ديلي

في النسيج المعقد للاقتصاد العالمي، قلّما توجد خيوط متشابكة بإحكام مثل الشراكة بين الصين وألمانيا. فعلى مدى عقود، وقفت هذه العلاقة كنموذج ناجح بامتياز يحقق “مكسباً للطرفين”، مما يؤكد صحة الرؤى الأساسية لآدم سميث، المُشار إليه باعتباره “أب الاقتصاد الحديث”، حول المنافع المتبادلة لتقسيم العمل. ومع ذلك، ونحن نقف على أعتاب ثورة صناعية خضراء، فإن هذه الأسس الراسخة تواجه اختباراً حقيقياً بفعل التوترات الجيوسياسية والمد المتصاعد للنزعة الحمائية.

في هذه المرحلة الحرجة، من الضروري إدراك أن العلاقات الصينية-الألمانية لم تعد تدور فقط حول موازين التجارة أو أرباح الشركات؛ بل أصبحت تشكل حجر زاوية للاستقرار السياسي العالمي. إن البنية العالمية المتوازنة في القرن الحادي والعشرين تعتمد على عالم متعدد الأقطاب، لا تملي فيه قوة واحدة شروط التعامل. ولكي يظل هذا النظام متعدد الأقطاب مستقراً، يمكن لأوروبا القوية صاحبة السيادة – ذات القلب الاقتصادي الألماني القوي – أن تلعب دوراً بنّاءً.

إن النجاح التاريخي للعلاقات الصينية-الألمانية ينبع من نقاط القوة المتكاملة. لقد كانت الخبرة الألمانية مفيدة في التصنيع السريع للصين، لا سيما في قطاعي السيارات والكيماويات. فمن خلال الاستثمارات المباشرة والمشاريع المشتركة، لم تكتفِ الشركات الألمانية بتوفير رأس المال؛ بل قامت بنقل التكنولوجيا ووضعت معايير صناعية رفيعة. وفي المقابل، وجدت ألمانيا في الصين سوق النمو الأكثر ديناميكية لديها.

هذا الوصول سمح لعمالقة الصناعة الألمانية والشركات المتوسطة الحجم على حد سواء بتوسيع نطاق عملياتهم، مما وفر التمويل للبحث والتطوير الذي يُبقي الهندسة الألمانية في الطليعة العالمية. واليوم، يستمر هذا التقليد من خلال مشاريع ضخمة مثل موقع مجمع “فيربوند” الجديد لشركة الكيماويات الألمانية العملاقة باسف في تشانجيانغ بمقاطعة قوانغدونغ، وهو استثمار بقيمة 10 مليارات يورو (11.77 مليار دولار) يمثل أكبر مشروع منفرد للشركة حتى الآن. يوضح هذا التكامل العميق أنه عندما يتعاون ثاني وثالث أكبر اقتصاد في العالم، يمكنهما إحداث تأثيرات استقرار لسلسلة التوريد العالمية بأكملها.

إن أكثر الحدود الواعدة للتعاون المستقبلي تكمن في مجال الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الخضراء. فمن خلال سياسة صناعية استراتيجية ورؤية ثاقبة، برزت الصين كقائدة عالمية بلا منازع في تكنولوجيا البطاريات والطاقة الشمسية والمركبات الكهربائية. وهذا ليس مجرد إنجاز محلي فحسب؛ بل هو إسهام حيوي في سياسة المناخ العالمية. فمن خلال خفض تكاليف التكنولوجيا الخضراء عبر الحجم الهائل والابتكار، جعلت الصين تحول الطاقة العالمي في متناول الدول الأخرى، بما في ذلك ألمانيا.

وإدراكاً من شركات صناعة السيارات الألمانية لهذا الأمر، تحولت من استراتيجية “التصدير إلى الصين” إلى “التطوير في الصين”. فشركة فولكسفاغن، على سبيل المثال، تُكثف نهجها القائم على “في الصين، ومن أجل الصين”، متعاونة مع مبتكرين محليين مثل شياوبنغ للمشاركة في ابتكار الجيل التالي من السيارات الكهربائية الذكية المعتمدة على البرمجيات.

وعلى الرغم من هذه التآزرات الواضحة، يطول ظل الحماية التجارية. فبذريعة المخاوف بشأن الدعم، قررت المفوضية الأوروبية فرض رسوم مكافحة دعم تصل إلى 35.3 بالمئة على السيارات الكهربائية المصنوعة في الصين. وإلى جانب التكلفة الاقتصادية، تحمل مثل هذه الحواجز التجارية الضمنية أو الصريحة ثمناً جيوسياسياً باهظاً. إن التحرك نحو “فك الارتباط” أو الحماية التجارية العدوانية يهدد بتقسيم العالم إلى تكتلات اقتصادية متنافسة. وهذا العالم ثنائي القطب هو بطبيعته أقل استقراراً وأكثر عرضة للصراع. فالتنافسية الحقيقية تُبنى من خلال المنافسة المفتوحة والتعاون، وليس خلف جدران الحواجز التجارية.

ولضمان مستقبل متوازن، يجب أن يصبح تدفق الاستثمار طريقاً ذا اتجاهين. فكما كانت التكنولوجيا الألمانية مفيدة للصين يوماً ما، فإن الخبرة الصينية في كيمياء البطاريات والأنظمة الرقمية أصبحت الآن أساسية لتحول الصناعة الألمانية. وتظهر عدة “مشاريع منارة” كيف أن رأس المال الصيني يُنعش المشهد الصناعي الألماني:

  كاتل في تورينغن: استثمرت شركة تصنيع البطاريات الرائدة عالمياً حوالي 1.8 مليار يورو في مصنعها قرب إرفورت، مما خلق ما يصل إلى 2000 وظيفة في مجال التكنولوجيا العالية.

 غوشن للتكنولوجيا الفائقة في غوتنغن: من خلال تحويل مصنع سابق لشركة بوش إلى منشأة حديثة للبطاريات، تعمل غوشن على تأمين الوظائف الصناعية عبر التجديد التكنولوجي.

هذه الاستثمارات لا تخلق فرص عمل فحسب؛ بل إنها تثبت ألمانيا في قلب سلسلة توريد البطاريات الأوروبية، مما يضمن بقاء أوروبا قوة صناعية قوية ومستقلة.

العلاقات الاقتصادية بهذا الحجم تتطلب أكثر من مجرد عقود؛ إنها تتطلب الثقة، وهي العملة الأساسية التي تجعل نظام التكامل التجاري العميق يعمل. أصبح من الأهمية البالغة الآن لكل من بكين وبرلين إعطاء الأولوية لاستعادة هذه الثقة.

لكي يظل النظام العالمي متوازناً، يجب ألا تُجبر أوروبا على اختيار جانب في لعبة محصلتها صفر. بدلاً من ذلك، من خلال الحفاظ على شراكة قوية مع الصين، يمكن لألمانيا وأوروبا أن تعملا كقطب ثالث يحقق الاستقرار. وهذا يتطلب الابتعاد عن خطاب المواجهة والتحول نحو إجراءات ملموسة تضمن الوصول العادل إلى الأسواق، وحماية الملكية الفكرية، وتوفير بيئة استثمارية شفافة.

البديل عن التعاون هو لعبة محصلتها صفر حيث يخسر الطرفان في النهاية. إذا تم تفكيك الجسر بين الصين وألمانيا، فسيتباطأ تحول الطاقة العالمي، وسيعاني الابتكار، وسيصبح العالم أكثر استقطاباً وخطورة.

إن نموذج “المكسب للطرفين” لا يمكن تحقيقه إلا من خلال التبادل الحر والعادل للسلع ورؤوس الأموال والخدمات. وباعتبارهما دولتين صناعيتين رائدتين، تتحمل الصين وألمانيا مسؤولية مشتركة لإثبات أن المنافسة والتعاون يمكن أن يتعايشا. ومن خلال اختيار طريق الشراكة، يمكنهما ضمان أن يظل التآزر الاقتصادي بينهما قوة استقرار ومحركاً للتقدم من أجل عالم متوازن ومزدهر في القرن الحادي والعشرين.

*الكاتب هو أستاذ الاقتصاد في جامعة فورتسبورغ، وعضو سابق في مجلس الخبراء الاقتصاديين الألماني، وعضو في لجنة المعاشات التقاعدية المعينة من قبل الحكومة الألمانية.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *