2026-08-27

مرور عام على مبادرة الحوكمة العالمية: خارطة طريق صينية لإصلاح النظام الدولي ومعالجة “عجز الحوكمة”

قمة منظمة شنغهاي للتعاون تيانجين

بكين: عبدالوهاب جمعه

صادف عام 2025 الذكرى الثمانين لتأسيس الأمم المتحدة، وهي الذكرى التي تدعونا للتأمل في الدروس المريرة للحربين العالميتين، والرؤية التي دفعت المجتمع الدولي لابتكار ممارسة جديدة في الحوكمة العالمية. لكن بعد ثمانين عاماً، يمر المشهد الدولي بمرحلة من التغيرات والاضطرابات، حيث تتعرّض التعددية للتحديات، ويستمر “عجز الحوكمة العالمية” في التزايد. في هذا السياق، جاءت “مبادرة الحوكمة العالمية” (GGI) التي أعلنها الرئيس شي جين بينغ في الأول من سبتمبر 2025، لتقدم حلاً صينياً يركز على اتجاه ومبادئ ومسار إصلاح نظام الحوكمة العالمية ومؤسساتها، متوافقاً مع رؤية “التشاور الواسع والمساهمة المشتركة لتحقيق المنفعة المشتركة”.

والآن بعد مرور عام على اطلاق الرئيس الصيني شي جين بينغ لمبادرة الحوكمة العالمية والتي جاءت في وقتها المناسب خلق عالم اكثر عدلا ومساواة

تشخيص الواقع

ترتكز المبادرة على قراءة واقعية وعميقة للمشهد الدولي، محدّدة ثلاثة عيوب رئيسية تعاني منها المؤسسات الدولية الحالية:

اولا :التمثيل المحدود للجنوب العالمي:

النهضة الجماعية للأسواق الناشئة والدول النامية تستدعي معالجة الإجحاف التاريخي وتعزيز تمثيل هذه الدول وصوتها في عملية الحوكمة.

 ثانيا: تآكل الهيبة

 لم تُحترم مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة بشكل فعّال، حيث تواجه قرارات مجلس الأمن التحديات، وتشكل العقوبات الأحادية انتهاكات للقانون الدولي تُربك النظام العالمي.

ثالثا:الحاجة الملحة للفعالية:

 يتأخر تنفيذ جدول أعمال الأمم المتحدة 2030 للتنمية المستدامة بشكل خطير، بينما تفتقر المجالات الجديدة مثل الذكاء الاصطناعي، والفضاء السيبراني، والفضاء الخارجي، وتغير المناخ، إلى أطر حوكمة رصينة.

الركائز الخمس: جوهر الحل الصيني

تقدم المبادرة “مفاهيم أساسية خمسة” مستمدة من ميثاق الأمم المتحدة، لتشكيل هيكل متكامل للإصلاح:

المساواة في السيادة: الشرط الأول للحوكمة، حيث يجب احترام سيادة وكرامة جميع الدول بغض النظر عن حجمها أو قوتها، وضمان حقها في اختيار مسار تنميتها والمشاركة كأطراف متساوية في صنع القرار.

القانون الدولي: الضمان الأساسي، الذي يتطلب تطبيقاً موحداً وعادلاً للقواعد دون معايير مزدوجة، مع وجوب تقدم الدول الكبرى في الدعوة للدفاع عنه.

التعددية: المسار الأساسي، حيث تُقرر الشؤون العالمية بالاتفاق الجماعي، وتُبنى بالمشاركة، وتُستفاد ثمارها بشكل جماعي، مع رفض الأحادية وجميع الترتيبات الاستبعادية.

النهج القائم على الإنسان: القيمة الأساسية، فالشعوب هي الفاعل الأساسي، ورفاهها هو المنفعة النهائية، مما يستدعي استجابة النظام لاحتياجات الناس وتعزيز شعورهم بالأمان والرضا والرفاه.

النتائج الفعلية: المبدأ الحاسم، فالحوكمة الفعّالة هي التي تحل مشكلات حقيقية، وتعالج الأسباب الجذرية والأعراض معاً، مع تحمل الدول المتقدمة مسؤولياتها بتقديم موارد أكثر، وتوحيد الدول النامية جهودها من أجل العالم.

المبادرة حلقة في سلسلة الرؤية الصينية

تأتي مبادرة الحوكمة العالمية (GGI) كمبادرة كبرى تكمّل ثلاث مبادرات سابقة، لتشكل رباعية متكاملة: فبينما تركز “مبادرة التنمية العالمية” (GDI) على التعاون الإنمائي، و”مبادرة الأمن العالمي” (GSI) على الحوار لحل الخلافات، و”مبادرة الحضارة العالمية” (GCI) على التبادل والتعلم المتبادل بين الحضارات، تأتي GGI لتركز على “اتجاه ومبادئ ومسار” إصلاح النظام ومؤسساته. هذا التكامل يسمح بسير هذه المبادرات بالتوازي، لتكون مصدراً للطاقة الإيجابية ومحفزاً لتطور البشرية في عالم متغير.

طريق المضي قدماً: الإصلاح لا الهدم

تؤكد الصين أن إصلاح وتحسين الحوكمة العالمية لا يعني هدم النظام الدولي القائم أو إقامة إطار جديد خارجه. بل الهدف هو جعله أكثر قدرة على العمل، ومرونة في التكيف، واستجابة فورية للتحديات. ولتحقيق ذلك، ستعطي الصين أولوية للقطاعات التي تعاني من نقص حاد في الحوكمة، مثل إصلاح البنية التحتية المالية الدولية، والذكاء الاصطناعي، والفضاء السيبراني، وتغير المناخ، والتجارة، والفضاء الخارجي. كما ستعمل على دعم الأمم المتحدة في تنفيذ “ميثاق المستقبل”، والاستفادة من المنصات المتعددة الأطراف لبناء توافق واسع في الآراء وتحقيق نتائج ملموسة ومبكرة.

الصين تقف في الجانب الصحيح من التاريخ

إن البشرية أصبحت مجتمعاً مترابطاً بشكل وثيق ومصيره مشترك. ومبادرة الحوكمة العالمية ليست مجرد طرح نظري، بل هي التزام عملي من الصين، بصفتها أكبر دولة نامية وعضواً دائماً في مجلس الأمن، بأن تظل بنّاءً للسلام، ومساهماً في التنمية، وحامياً للنظام الدولي، ومقدّماً للسلع العامة. بالتمسك بالمبادئ، والترحيب بالأفكار الجديدة، والبقاء منفتحين وشاملين، تعمل الصين يداً بيد مع جميع القوى التقدمية في العالم لاستكشاف سبل إصلاح الحوكمة العالمية، وفتح مستقبل مشرق يتسم بالسلام، والأمن، والازدهار، والتقدّم للجميع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *