2026-07-01

من القارب الأحمر إلى سفينة النهضة: استمع الحزب لصوت الشعب.. فكسر دائرة التاريخ بـ3 شفرات وكتب لحن الصمود الخالد

بقلم: عبدالوهاب جمعه

في صباح اليوم الاول من يوليو واحتفالا بالذكرى الـ105 لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني ارتفعت من قاعة الشعب الكبرى في بكين أصوات تغني : “بدون الحزب الشيوعي لما كانت هناك الصين الجديدة”.

 لم يكن هذا مجرد احتفال بالذكرى الـ105 لتأسيس الحزب، بل كان كشفا لشفرات من أسرار الصمود الصيني: كيف لحزب ولد عام 1921 على متن قارب صغير في بحيرة نانهو، بعدد لا يتعدى العشرات أن يصبح اليوم أوركسترا تضم 101 مليون و286 ألف عازف، يعزفون معا سيمفونية النهضة العظيمة؟

الإجابة ليست في الأرقام، بل في “الاستماع”. فالحزب الشيوعي الصيني، على مدى 105 سنوات، لم يكن قائدا يصدر الأوامر فحسب، بل كان مستمعا أولا لصوت الشعب، استمع إلى هموم الفلاحين في حقول لانكاو الملحية، فقادهم جياو يولو لغرس أشجار البولونيا التي تحولت اليوم إلى آلات موسيقية تصدر للعالم. واستمع إلى أنين “مريض آسيا” تحت نير “الجبال الثلاث الكبرى”، فحول الألم إلى إرادة، والشتات إلى وحدة. واستمع إلى طموح الشباب في شنتشن، ففتح أبواب الإصلاح والانفتاح لتعزف الصين لحنها الخاص في سيمفونية العالم.

هنا يكمن السر الأول: “الشعب أولا” ليس شعارا، بل هو شفرة النجاح وراء كل قرار يصدر في الصين.

عندما يقول الرئيس الصيني شي جين بينغ :” ساكرس نفسي بروح التفاني من اجل تنمية الصين ولن اخيب امل الشعب” فهو لا يلقي خطابا بلاغيا، بل يعيد ضبط  دفة السفينة التي تسير بقوة مرونة الصينين.

وعندما نرى ساعي التوصيل في شنغهاي، وصاحب المقهى، ومعلمة البيانو وهم جميعاً أعضاء في الحزب الشيوعي الصيني يخصصون جزءا من يومهم لحل مشاكل جيرانهم، فإننا لا نرى “كوادر” بل نرى “عازفين” في أوركسترا ” الديمقراطية الشعبية الصينية” ، كل منهم يعزف نغمته الخاصة، لكن الجميع يتناغمون في لحن واحد هو خدمة الشعب.

لكن هناك سر ثاني وهو “الثورة الذاتية” وتعني “ضبط الإيقاع” المستمر. ففي عالم تنهار فيه الأحزاب الكبرى الواحد تلو الآخر، لأن قادتها أصبحوا “صما” عن شعبهم، يتساءل الحزب الشيوعي الصيني كل يوم: “هل لا نزال نسمع اللحن الصحيح؟” ويجيب على هذا السؤال بـ “الإدارة الحازمة والشاملة”، وبمكافحة الفساد لا كحملة موسمية، بل كـ “ثورة ذاتية” دائمة.    

   منذ أن طرح الزعيم المبجل ماو تسي تونغ في كهوف يانآن قبل 80 عاماً الإجابة الأولى على “دورة التاريخ” عندما قال :”فقط دع الشعب يراقب الحكومة، لن تجرؤ الحكومة على التراخي” ، إلى أن قدم الرئيس شي جين بينغ الإجابة الثانية  وهي “المضي حتى النهاية في الثورة الذاتية العظيمة للحزب” ظل الحزب يعيد ضبط آلاته، ليضمن ألا يخرج عازف عن اللحن الجماعي، والعزف الجماعي ماهو الا “الشعب اولا”.

بينما السر الثالث وهو : “الاستمرارية” لا “القطيعة”. نرى ذلك في الحفل الموسيقي الذي اقيم بالذكرى الـ105 لتأسيس الحزب، تعاقبت خمسة فصول: من “نشيد الراية الحمراء” و”زهرة الأزاليا” و”نشيد النهر الأصفر” التي روت ملحمة الثورة، إلى “حقول الأمل” التي غنت فرحة الإصلاح، وصولا إلى “عدم خيبة أمل الشعب” التي عزفت عزم العصر الجديد. لم يكن هذا مجرد استعراض تاريخي، بل كان رسالة مهمة وهي : أن الحزب لا يقطع لحنه القديم ليعزف لحنا جديدا، بل يطور اللحن ويثريه، محافظاً على “النغمة الأساسية” وهي خدمة الشعب بينما يضيف عليها “التوافقات” الجديدة التي يتطلبها كل عصر.

من هنا، نفهم لماذا صمد الحزب الشيوعي الصيني 105 سنة، ولماذا سيظل صامدا.. فهو لم يكن يوما “فرقة عسكرية” تجبر الناس على السير في طابور واحد، بل كان أوركسترا تتيح لكل عازف أن يبدع في آلته، لكن الجميع يقرأون من “نوتة واحدة” وهي دستور الحزب ودستور الدولة. ولم يكن “معهدا أكاديميا” ينتج نظريات مجردة، بل كان ورشة عمل تتعلم من الواقع الصيني، من حقول لانكاو إلى مصانع شنتشن، وتحول هذا الواقع الى ابداعات تغير العالم.

القارب الصغير في بحيرة نانهو أصبح اليوم سفينة عملاقة، لكن الربان لا يزال هو نفسه “الشعب الصيني ” والمجدافون لا يزالون هم أنفسهم عضوية الحزب الشيوعي الصيني البالغة حتى ديمسبر 2025 أكثر من  101 مليون عضو يعزفون معا.

 ورغم أن البحر من حولهم لا يزال هائجا بتحديات داخلية وخارجية، وتغيرات لم تشهدها البشرية منذ قرن فان السفينة لاتزال تمضي واللحن لا يزال ثابتا: “الشعب أولا، والبعث العظيم للأمة الصينية”.

ونحن هنا في “المشهد الصيني”  نرصد يوميا كيف تتطور الصين اقتصاديا وتكنولوجيا، لكننا نعرف جيدا أن سر صمود الصين يتجلى في أن “قيادة الحزب الشيوعي الصيني هي السمة الجوهرية الأكثر أساسية للاشتراكية ذات الخصائص الصينية”، وأنه “لولا الحزب الشيوعي الصيني، لما كانت هناك الصين الجديدة” التي نعرفها الآن.. وأن الصمود لاكثر من 105 عاما كان لاجل ” تحقيق النهضة العظيمة للأمة الصينية”.

بالنسبة لي كمراقب لشؤون الصين فان الحزب الشيوعي الصيني أفلت من دائرة التاريخ المتمثلة في الصعود والافول، الارتقاء والانهيار.

قدم الزعيم ماو زي تونغ الاجابة الاولى وهي ” أن يراقب الشعب الحكومة، لا تجرؤ الحكومة على التراخي” بينما قدم الرئيس شي جين بينغ الاجابة الثانية وهي” الثورة الذاتية” والتي تعني الاصلاح الذاتي.

واذا اردت ان الخص لكم نجاح الحزب الشيوعي الصيني في مسيرة الصين من ” الاذلال” الى “الرفعة” فان هناك ثلاثة كلمات تصف تلك الرحلة المجيدة: ” الصمود والابتكار والقيادة القوية”

كلمات ” الصمود والابتكار والقيادة القوية” تعني أن الحزب الشيوعي الصيني ليس كباقي الاحزاب السياسية حول العالم وانما هو منظمة ديناميكية تتكيف باستمرار مع الازمنة المتغيرة والوقائع المتجددة فهو حزب لا يتقيد بعقيدة جامدة وانما هو حزب مبتكر ويتعلم من دمج الماركسية مع واقع الصين لذلك كانت ” الماركسية ذات الخصائص الصينية في العصر الجديد” للاجابة على مستقبل الصين في المئوية الثانية.

اختم مقالتي بكلمات الرئيس شي جين بينغ في مناسبتين الاولى في اكتوبر 2017 عندما زار الموقع الاول للمؤتمر الوطني للحزب الشيوعي الصيني والقارب الاحمر في بحيرة نانغو حين قال بعاطفة جياشة:” “المياه العذبة تتدفق، والقارب الأحمر لا يزال كما هو والعصر يتغير، لكن الروح خالدة.”

   والثانية كلمة الرئيس شي جين بينغ اليوم في تجمع للاحتفال بالذكرى الـ105 لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني في بكين عندما قال :” إن الحزب الشيوعي الصيني قاد الشعب الصيني في كتابة أروع ملحمة في تاريخ الأمة الصينية الممتد لآلاف السنين، وذلك بفضل الجهود الدؤوبة”

نعم روح الحزب الشيوعي الصيني لاتزال خالدة ومتدفقة، كتبت وستظل تكتب اروع ملاحم في تاريخ الصين الممتد على مدى 5 آلاف عام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *