2026-04-29

مستقبل تصديري بلا حدود: غامبيا والصومال ونيجيريا تراهن على الاعفاء الجمركي الصيني

بكين:المشهد الصيني

في مشهد تجاري يترقبه الملايين، رسمت الصين ملامح تحول تاريخي بقرارها منح إعفاء جمركياً صفرياً لكامل الواردات من 53 دولة أفريقية، اعتباراً من أول مايو المقبل.

في قلب هذا التحول، تقف ثلاثة بلدان أفريقية تحمل أحلاماً وتحديات مختلفة، لكنها تلتقي عند أمل واحد: اغتنام فرصة العمر لتكون جزءاً من أكبر سوق استهلاكية في العالم.

 من غامبيا غرباً حيث تنتظر المنتجات الحرفية فرصة الإقلاع، إلى الصومال شرقاً التي تمتلك أطول ساحل أفريقي تزخر كنوزه البحرية بانتظار من يستخرجها، وصولاً إلى نيجيريا العملاق الذي يراهن على التنويع الاقتصادي كسلاح لمستقبل أكثر عدالة. ثلاثة بلدان، إعفاء واحد، ومستقبل تصديري بلا حدود.. لكن السؤال الأهم: هل هذه الأسواق الناشئة جاهزة لتحويل الحلم إلى شاحنات تصدير؟

غامبيا: الإعفاء الكامل لكن التحدي لا يزال في “الاستعداد”

منذ عام 2017، كانت الصين قد منحت نحو 97% من المنتجات الغامبية دخولاً معفى من الرسوم، وفي ديسمبر 2024 تم توسيع التغطية لتصل إلى 100%، مما يعني إزالة أي عوائق جمركية أمام صادرات هذا البلد الصغير. ورحبت رائدة الأعمال فاتوماتا إنجي، مؤسسة “ياكساري” لإنتاج أكياس الشاي العشبي، بهذه الخطوة قائلة: “لطالما حلمت بتصدير منتجاتي إلى الصين، وهذا القرار سيمكننا من عرض منتجاتنا دولياً وخلق مصادر دخل جديدة للمزارعات.”

لكن الواقع على الأرض يروي قصة مختلفة. فمعظم الشركات الصغيرة والمتوسطة لا تزال في مرحلة مبكرة من التأهيل للتصدير.

توضح  فاتو سيساي جارجو، مؤسسة “Snack Heaven” لتصنيع المانجو والموز: “التصدير يتطلب ترتيبات لوجستية ضخمة، وإجراءات دقيقة، ومعايير تختلف من دولة لأخرى، ونحن لا نملك القدرة الحالية على تلبية هذه المتطلبات.”

ويؤكدبابو كار ساهو، نائب المدير التنفيذي لغرفة التجارة والصناعة الغامبية، أن الحل يقع على عاتق الحكومة: “لا بد من سياسات وطنية داعمة تحدد الشركات القابلة للتصدير وتدعمها لاجتياز مرحلة التأهيل، فالفرصة باتت متاحة لكن الاستعداد هو التحدي الحقيقي.”

الصومال: أطول ساحل أفريقي يتحول إلى شريان تجاري

على الجانب الآخر من القارة، تمتلك الصومال أطول خط ساحلي في أفريقيا، ومنطقة بحرية غنية بالثروات غير المستغلة بالكامل. هنا، لا يختلف الوضع كثيراً من حيث وجود فرصة هائلة تعوقها الفجوات في البنية التحتية. فسوق السمك في مقديشو يستقبل يومياً كميات ضخمة من التونة والماكريل والكركند، لكن أغلبها يبقى محصوراً في السوق المحلي.

يصف محمد حيدرصياد تجاري، الإمكانات قائلاً: “صيدنا وفير خاصة بين أكتوبر وأبريل، لكن مع حلول موسم الرياح في مايو، نحتاج إلى مراكب متطورة للحفاظ على هذا الحجم.”

 ومن جهته، يضيف كمال مكي أويس: “العقبة الأساسية كانت غياب الوصول للأسواق الدولية ومرافق التبريد الصناعية. هذه السياسة الجمركية الصفرية تعتبر اختراقاً هائلاً، وستحول قطاع المأكولات البحرية إلى مصدر دخل رئيسي للصومال.”

ويقطع وزير الثروة السمكية الصومالي أحمد حسن آدم الطريق على أي شكوك: “الحكومة الصينية ضمنت رسميا دخول جميع صادراتنا معفاة من الرسوم، وأصبح لدينا ممر مباشر يلغي الوساطة المعقدة عبر دول ثالثة. هذه فرصة ضخمة لكل من القطاع الخاص والمستثمرين الدوليين.”

نيجيريا: العملاق الأفريقي يراهن على التنويع والجودة

أما نيجيريا، أكبر اقتصاد في أفريقيا من حيث عدد السكان، فتنظر إلى هذه السياسة باعتبارها رافعة لتحقيق حلم طال انتظاره: تقليل الاعتماد على النفط وتنويع الصادرات. فالبلاد تمتلك ثروات زراعية هائلة من السمسم والزنجبيل والكاجو والكاكاو، تنتظر دورها في السوق الصينية.

ويرى خبراء أن التعريفة الصفرية لن توسع الصادرات فحسب، بل ستدفع الشركات النيجيرية إلى تحسين جودة منتجاتها والانتقال من تصدير المواد الخام إلى المنتجات المصنعة، مما يخلق وظائف ويعزز القيمة المضافة المحلية. في وقت يبحث فيه العالم عن يقين في ظل تقلبات اقتصادية، تختار الصين طريق “المكسب المشترك” عبر فتح أسواقها لأفريقيا.

ثلاثة بلدان .. حلم تصديري واحد

ثلاثة بلدان، ثلاث قصص، وحلم تصديري واحد يجمعهما تحت سقف الإعفاء الجمركي الصفري. في غامبيا، تبدو الشركات الصغيرة متحمسة لكنها تنتظر يد الدعم لتعبر مرحلة التأهيل. في الصومال، يراهن الصيادون والتجار على أن الموانئ الجديدة قد تكون مفتاحاً لنهضة زرقاء لم تشهدها المنطقة من قبل. وفي نيجيريا، تبحث الحكومة ورجال الأعمال عن هوية تصديرية جديدة تتجاوز النفط نحو ثروات الزراعة والتصنيع.

لكن الخلاصة التي تخرج بها هذه الرحلة من عواصم ثلاث، هي أن الإعفاء الجمركي ليس نهاية الطريق، بل هو مجرد بداية. فالتحدي الحقيقي يبدأ بعد إزالة الحواجز: هل تستطيع الشركات الأفريقية الصغيرة تلبية معايير الجودة العالمية؟ هل ستتحول البنية التحتية اللوجستية من عقبة إلى جسر؟ وهل ستواكب الحكومات الأفريقية هذه الفرصة بسياسات داعمة وقروض ميسرة؟

ما هو مؤكد اليوم، أن الصين فتحت الباب على مصراعيه. وبقية المشهد مرهون بقدرة هذه الدول الثلاث، وغيرها من الدول الأفريقية، على الدخول من ذلك الباب واثقة الخطى، بمنتجات تعكس غنى القارة وإبداع أبنائها. الأيام المقبلة لن تكون مجرد أرقام جمركية، بل ستُكتب فيها فصول جديدة من قصة التعاون جنوب-جنوب، حيث يصنع الأمل طريقه رغم كل الصعاب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تصفح ايضاً