الاعفاء الجمركي الصيني ..أفريقيا تتطلع بشوق لفرص جديدة للتعاون مع أكبر سوق في العالم
نيروبي : المشهد الصيني ، نقلا عن شينخوا
في ظل التحديات المتعددة التي تواجه بيئة التجارة العالمية حالياً، يُجمع خبراء ومحللون أفارقة على أن الانفتاح الشامل للسوق الصينية أمام أفريقيا يجسد صورة الصين كقوة عظمى مسؤولة ضمن النظام التجاري العالمي. فمن خلال الاعتماد على انفتاح عالي المستوى، تستخدم الصين “الطرح” في التعريفات الجمركية لتحقيق “الجمع” في حجم التبادل التجاري، مما يهيئ لسوقها الضخم فرصة لتقديم دعم أكبر للقارة الأفريقية.
مبادرة الإعفاء الجمركي تعكس سعة صدر وانفتاحاً
بصفتها عضواً فاعلاً في “الجنوب العالمي”، تدعو الصين إلى عولمة اقتصادية شاملة للجميع، وتظهر دائماً سعة صدر عبر إجراءات ملموسة توفر زخماً للنمو لدول الجنوب العالمي. اعتباراً من الأول من مايو 2026، ستطبق الصين إعفاءً جمركياً شاملاً على جميع المنتجات الواردة من 53 دولة أفريقية تقيم علاقات دبلوماسية معها. وفي الوقت نفسه، تواصل الصين دفع مفاوضات توقيع اتفاقيات الشراكة الاقتصادية للتنمية المشتركة، وتوسيع نطاق وصول المنتجات الأفريقية إلى السوق الصينية عبر تحسين “الممر الأخضر” وغيره من الآليات.
تجدر الإشارة إلى أن الصين كانت قد بدأت بالفعل، منذ الأول من ديسمبر 2024، بتطبيق إعفاء جمركي بنسبة 100% على جميع البنود الجمركية القادمة من 33 دولة أفريقية من أقل البلدان نمواً والتي تقيم علاقات دبلوماسية مع بكين. وببدء سريان مفعول هذه المبادرة في مايو 2026، ستصبح الصين أول اقتصاد رئيسي في العالم يمنح معاملة إعفاء جمركي أحادية الجانب وشاملة لجميع الدول الأفريقية ذات العلاقات الدبلوماسية، وكذلك لجميع أقل البلدان نمواً المرتبطة بها دبلوماسياً.
وفي هذا السياق، كتب البروفيسور بونيفاس بونونغ فودا، الخبير الاقتصادي وأستاذ العلاقات الدولية في الكاميرون، مقالاً مؤخراً في صحيفة “لا تريبون” الكاميرونية، أشار فيه إلى أن انفتاح السوق الصينية الواسعة أمام الدول الأفريقية يمثل فرصة حاسمة لتحديث الكاميرون. وأضاف أن هذه الخطوة تعكس رغبة الصين في تحمل المزيد من الالتزامات الدولية، وتظهر إصرارها الراسخ على توسيع انفتاحها عالي المستوى.
من جانبه، نشر موقع صحيفة “ذا ستار” الجنوب أفريقية مقالاً للباحث السياسي جيدين تشيتانغا، وصف فيه تطبيق الإعفاء الجمركي الشامل للدول الأفريقية ذات العلاقات الدبلوماسية بأنه اختراق استراتيجي كبير في مجال الدبلوماسية الاقتصادية وتجارة جنوب-جنوب، مما يوفر فرصة حقيقية لأفريقيا لتحقيق نمو طويل الأمد.
كما أكد أمادو ماجاجي، الخبير الاقتصادي في غرفة التجارة والصناعة بالنيجر، في مقابلة مع وكالة شينخوا، أن مبادرة الإعفاء الجمركي تجسد رغبة الصين في توسيع انفتاحها وتعميق التعاون مع الدول النامية، مما يساهم في دفع تعاون جنوب-جنوب قائم على المنفعة المتبادلة والفوز المشترك، ويبرز الدور المحوري للصين في التعاون الاقتصادي الدولي.
فرص واسعة لتعزيز تنوع التجارة
تمنح ضخامة السوق الصينية أهمية استراتيجية كبرى لمبادرة الإعفاء الجمركي بالنسبة للدول الأفريقية. ففي عام 2025، حافظت الصين للعام السابع عشر على التوالي على مركزها كثاني أكبر سوق استيراد في العالم، مستحوذة على نحو 10% من حصة الواردات العالمية. وخلال الفترة نفسها، تجاوزت قيمة الصادرات الأفريقية إلى الصين 123 مليار دولار. ومع تطبيق إجراءات الإعفاء الجمركي، ستستفيد قطاعات متعددة في أفريقيا بشكل أوسع من هذا السوق الهائل.
في السنوات الأخيرة، وسعت الصين باستمرار وارداتها من المنتجات الزراعية الأفريقية. فعلى سبيل المثال، دخلت منتجات مثل الحمضيات والأفوكادو والتوت الأزرق من زيمبابوي إلى السوق الصينية. وقال أنكيوس ماسوكا، وزير الأراضي والزراعة والثروة السمكية والمياه والتنمية الريفية في زيمبابوي، لوكالة شينخوا إن بلاده تسرع المفاوضات مع الجانب الصيني بشأن بروتوكولات تصدير المنتجات الزراعية للاستفادة الكاملة من سياسة الإعفاء الجمركي الوشيكة التطبيق، وتوسيع صادراتها إلى الصين.
وصفت صحيفة “كابيتال نيوز” الكينية الإعفاء الجمركي الصيني بأنه ذو تأثير بعيد المدى على المنتجين الكينيين. وأشارت إلى أن العديد من المصدرين الكينيين يعتمدون بشكل كبير على الأسواق الأوروبية والأمريكية الشمالية، لكن هذه الأسواق تشهد تشبعاً وتتغير قواعدها التجارية باستمرار. في المقابل، تمتلك الصين سوقاً استهلاكية ضخمة ومتنامية، مع طلب متزايد باستمرار على المنتجات الزراعية عالية الجودة.
وتُعد صناعة القهوة إحدى الركائز الاقتصادية المهمة في كينيا. وقال مبولا، مؤسس شركة “أوتاكا” للقهوة في كينيا، إن الشركة تصدر حالياً أساساً حبوب البن الخضراء عالية الجودة إلى الصين، وهو ما يمثل نحو 40% من إجمالي صادراتها. وأضاف أن مبادرة الإعفاء الجمركي ستؤدي إلى زيادة حجم أعمال الشركة وتوسيع نطاق عملياتها.
تعتبر الصين ثاني أكبر شريك تجاري لناميبيا وواحدة من أكبر مصادر الاستثمار الأجنبي المباشر فيها. وذكرت سيلما أشيبالا-موساوي، وزيرة العلاقات الدولية والتجارة في ناميبيا، أن بلادها ستغتنم فرص الوصول الجديد إلى السوق الصينية لتعزيز صادراتها المتنوعة، بما في ذلك المنتجات الزراعية، والمنتجات الجلدية، والماس المصقول.
بناء سلاسل التوريد والإمداد لتمكين التنمية المشتركة
منذ إنشاء منتدى التعاون الصيني الأفريقي، أصبحت أفريقيا وجهة مهمة للاستثمار المباشر الخارجي الصيني. وتأمل العديد من الدول الأفريقية في اغتنام الفرصة التاريخية للإعفاء الجمركي لجذب الشركات الصينية للاستثمار في القارة، وتطوير الصناعات التحويلية، والمناطق الصناعية، والاقتصاد الأخضر والاقتصاد الرقمي، بهدف دفع التحول الهيكلي والتنمية الشاملة محلياً، وتسريع خطى التحديث المشترك بين الصين وأفريقيا.
وفي هذا الإطار، صرح وويزوا لاموهاوبا، عضو اللجنة التنفيذية لحكومة مقاطعة غوتنغ في جنوب أفريقيا، قائلاً: “في وقت تعيد فيه التغيرات الجيوسياسية والأمنية تشكيل سلاسل التوريد العالمية، يجب على جنوب أفريقيا تعميق وتوسيع علاقاتها مع كبار الشركاء التجاريين العالميين، وتعد الصين شريكاً حيوياً في هذا الصدد”.
وفي عام 2016، استحوذت شركة “جيانغسو هينتونغ للكهرباء الضوئية” الصينية على شركة “أبردر كابلز” في جنوب أفريقيا. وقال وانغ جيان، الرئيس التنفيذي لشركة أبردر كابلز، إنه من منظور الشركات المصنعة المحلية، لا تزال سلسلة التوريد في جنوب أفريقيا غير مكتملة وتعتمد العديد من المواد الخام على الاستيراد. وأشار إلى أن مبادرة الإعفاء الجمركي سيكون لها أثر إيجابي على توسيع الطاقة الإنتاجية للشركة وتأمين إمدادات المواد الخام، مؤكداً أن آفاق التعاون بين الصين وجنوب أفريقيا تواصل التحسن.
من جهته، كتب لاسانا فاتي، المدير العام للتجارة الخارجية في غينيا بيساو، مقالاً في صحيفة “ديموكراسي” المحلية، قال فيه إن مبادرة الإعفاء الجمركي لا توفر فرصاً تجارية واقتصادية مهمة للدول الأفريقية فحسب، بل هي أيضاً إجراء عملي للتعاون يدعم تحسين معيشة الشعب الأفريقي والحد من الفقر. وستتيح هذه الخطوة لغينيا بيساو الربط بشكل أفضل مع السوق الصينية، والمساعدة في جذب الاستثمارات ودفع التنمية الاقتصادية المحلية.
وأكد الباحث الكيني باتريك لومومبا في حديثه مع الصحفيين أن مبادرة الإعفاء الجمركي توفر فرصة مهمة لأفريقيا لدفع عجلة التصنيع وإعادة تشكيل سلاسل التوريد الإقليمية. ودعا إلى تسريع بناء منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، وجذب الشركات الصينية للاستثمار وإنشاء المصانع، وبناء سلاسل صناعية للطاقة الجديدة في الدول الغنية بالمعادن الأساسية.
وختم لومومبا قائلاً: “إذا تعاونت الدول الأفريقية بفعالية وعمقت تعاونها في مجال القدرات الإنتاجية مع الصين، فإن الناتج المحلي الإجمالي لأفريقيا قد يشهد قفزة نوعية كبيرة خلال عقد من الزمن”.
