مع رحيل ناجية من مذبحة نانجينغ ..الذاكرة لا تموت، حتى لو توارت الأصوات
افتتاحية:المشهد الصيني
مع رحيل بان تشياوينغ، الناجية من مذبحة نانجينغ، عن عمر يناهز 95 عامًا، ينخفض عدد الشهود الأحياء على واحدة من أبشع جرائم الحرب في القرن العشرين إلى 23 شخصًا فقط.
كل وفاة من هؤلاء الناجين ليست مجرد خسارة بشرية، بل هي انتزاعٌ لصوتٍ كان يحمل في طياته شهادةً حيةً على الوحشية التي اجتاحت نانجينغ في ديسمبر 1937، حين سالت أنهار الدم واهتزت الإنسانية من هول ما ارتكبته أيدي الغزاة.
الناجون لم يكونوا مجرد ضحايا نجوا من المحرقة، بل كانوا حُرّاس ذاكرة الأمة. عيونهم رأت ما لا يُطاق، وألسنتهم أخبرت ما لا يُصدَّق، وقلوبهم حملت وجعًا لم يبرأ طوال عقود. وبرحيلهم، تنتقل المسؤولية من الشهود إلى المؤرخين، ومن الأفراد إلى المؤسسات، ومن الذاكرة الشفهية إلى الذاكرة الموثّقة.
وقد أدركت الصين هذا الخطر منذ زمن، فاتخذت خطوات استراتيجية لحماية هذه الذاكرة: فجعلت 13 ديسمبر يومًا وطنيًّا للتذكّر، وسجّلت شهادات الناجين بالصوت والصورة، ونجحت في إدراج الوثائق المتعلقة بالمذبحة ضمن “ذاكرة العالم” لدى اليونسكو. كل ذلك ليس من باب التمسّك بالماضي، بل من باب الحفاظ على الحقيقة كدرعٍ ضد التكرار.
في عالمٍ تتهافت فيه بعض القوى السياسية على محو ذاكرات الشعوب أو تزويرها، تصبح مثل هذه الجهود وطنيةً وحضاريةً في آنٍ واحد. فالصين لا تطالب العالم بأن يحمل حِملها، بل أن يرى الحقيقة كما هي، وأن يرفض إنكار الجرائم ضد الإنسانية تحت أي ذريعة.
نحن في “المشهد الصيني” ندعو قرّاءنا إلى التأمّل في هذا الموقف: ففي الوقت الذي تتقلّص فيه أصوات الناجين، يجب أن يرتفع صوت الذاكرة الجماعية. لأن من ينسى ماضيه، يخسر مستقبله. ولأن من ينكر جريمة ضد الإنسانية، يُمهّد لارتكاب غيرها.
ليُدَوَّن التاريخ، وليُسمَع العالم، ولتبقى نانجينغ شاهدًا أبديًّا على أن البربرية لا تُنسى، وأن الإنسانية رغم كل ما يُراد بها لا تستسلم.
