2026-05-06

من بورتسودان إلى العالم: الصداقة السودانية-الصينية قصة نجاح لا تُنسى

افتتاحية: المشهد الصيني

في قلب بورتسودان، وعلى ضفاف البحر الأحمر الذي كان ذات يوم ممر للسفن التجارية القديمة على طريق الحرير البحري، لم تكن احتفالية “شكراً للصين” مجرد طقس دبلوماسي تقليدي أو تبادل مجاملات بروتوكولية عابرة. بل كانت، في جوهرها، رسالة استراتيجية عميقة تنبع من أعماق الشعب السوداني، لتؤكد أن العلاقات بين الخرطوم وبكين قد تجاوزت مرحلة “التعاون الثنائي” التقليدي، لتتحول إلى نموذج حيّ وراسخ لما يمكن أن تكون عليه شراكة “دول الجنوب العالمي” في عصرنا الجديد.

في الاحتفالية جدد المتحدثون تأكيدهم على عمق العلاقات التاريخية التي تجمع السودان والصين، في مشهد يعكس رؤية استراتيجية تتجاوز المصالح الآنية إلى آفاق أوسع من التعاون المشترك.

ما شهدته مدينة بورتسودان من احتفالية نظمتها منظمة “رابطة الشعوب” السودانية تحت شعار “شكرا الصين”، لم يكن مجرد فعالية عابرة، بل تجسيد حي لعلاقة ضاربة في التاريخ، تقوم على أسس راسخة من الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة.

حين وقف عضو مجلس السيادة الانتقالي عبد الله يحيى، والقائم بأعمال السفارة الصينية شو  جيان، أمام حشد من النخب والمواطنين والجالية الصينية، لم يكونا فقط يحتفلان بالذكرى السنوية لتأسيس العلاقات الدبلوماسية عام 1959، بل كانا يرسمان خريطة طريق لمستقبل يتأسس على ركيزتين : الأولى هي “الاحترام المتبادل للسيادة”، والثانية هي “التنمية المشتركة الواقعية”.

ففي كلمة عضو مجلس السيادة الانتقالي عبد الله يحيى، تأكيد صريح بأن الصين ليست شريكا عاديا، بل حليف استراتيجي كان لها دور محوري في تطوير قطاع النفط السوداني، وفي دعم البنية التحتية عبر مشروعات الطرق والجسور والسدود، والأهم أنها وقفت إلى جانب السودان في أزماته دافعة عن سيادته ووحدة أراضيه.

ولعل أبرز ما حملته الكلمات هو التطابق في الرؤى حول القضايا الكبرى، حيث جدد السودان التزامه بمبدأ “صين واحدة” ومعارضته الشديدة لأي محاولات تمس بوحدة الأراضي الصينية، في موقف يعكس نضجا دبلوماسيا وإدراكا لأهمية تبادل المواقف الثابتة.

من جانبه، عبر القائم بأعمال السفارة الصينية شو جيان عن معنى أعمق، حين ربط الصداقة بين الشعبين بجذور تاريخية تمتد عبر طريق الحرير القديم، وصولا إلى التعاون في العصر الحديث من أجل الاستقلال والتحرر الوطني. إنها صداقة كتبت بحروف من نور على مدار عقود.

ويمثل إحياء “عام التبادلات الشعبية بين الصين وإفريقيا” عبر هذه الفعالية، رسالة واضحة بأن العلاقات الرسمية وحدها لا تكفي، بل لا بد من تعزيز الروابط الثقافية والرياضية والإعلامية بين المنظمات الشعبية لتكون جسرا للتفاهم والتواصل.

إن مبادرة “الحزام والطريق” التي أشار إليها الدبلوماسي الصيني، تشكل بالفعل فرصة ذهبية لإعادة إحياء الشراكات القديمة في قالب جديد، يجعل من العلاقة بين الخرطوم وبكين نموذجا ملهما لعلاقات دول الجنوب التعاونية.

والحضور الواسع الذي ضم نحو 400 شخصية من مختلف القطاعات السودانية، إضافة إلى الجالية الصينية والسفراء المعتمدين، يؤكد أن هذه الشراكة ليست نخبوية، بل تمتد إلى عمق المجتمعين.

تبقى العلاقات السودانية الصينية شاهدة على أن التعاون الدولي يمكن أن يكون رابحا للجميع إذا قام على أسس من الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والسعي الحقيقي للتنمية المشتركة. وهذا هو الدرس الذي تقدمه بورتسودان اليوم للعالم أجمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تصفح ايضاً