هندسة السلام الصيني في الشرق الأوسط.. من “القانون الدولي” إلى “الديناميكية الداخلية”
بكين:المشهد الصيني
لا يمكن قراءة التحركات الدبلوماسية المكثفة للرئيس الصيني شي جين بينغ في عام 2026 باعتبارها مجرد زيارات بروتوكولية، بل هي حلقات متصلة في بناء “إطار أمني جديد” للشرق الأوسط، يقوم على فلسفة صينية فريدة تدمج بين الواقعية السياسية والعدالة التاريخية. هناك ثلاثة أركان استراتيجية تشكل عماد هذه الرؤية:
سيادة “الديناميكية الداخلية” ورفض الوصاية
يؤكد الطرح الصيني، لا سيما في لقاءات أبوظبي والقاهرة، أن الحل يجب أن ينبع من الداخل. فمبدأ أن “شعوب المنطقة أسياد شؤونها” هو رد مباشر على عقود من التدخلات الخارجية التي فاقمت الأزمات. الصين تدعو إلى حوار إقليمي خالص لإعادة تشكيل الإطار الأمني، مع رفض قاطع للازدواجية في المعايير، مؤكدة أن سيادة الدول وسلامة أراضيها خط أحمر لا يجوز المساس به، وأن العودة إلى “قانون الغابة” ليست خياراً مقبولاً في النظام الدولي المتمحور حول الأمم المتحدة.
التلازم العضوي بين “الأمن” و”التنمية”
ترفض الرؤية الصينية الفصل بين الملفين الأمني والاقتصادي. فمن خلال التأكيد على الحفاظ على الممرات البحرية (كمضيق هرمز)، والاستعداد لتقاسم “فرص التحديث الصيني”، تدرك بكين أن التنمية هي التربة الخصبة التي تجفف منابع التطرف والصراع. عندما تتمازج المصالح الاقتصادية لدول الخليج والشرق الأوسط، تتعزز الثقة المتبادلة، ويتحول الأمن من مجرد ترتيبات عسكرية إلى “ضمان تنموي” دائم.
المركزية المطلقة للقضية الفلسطينية
في لقاء عمّان، وضع الرئيس شي الإصبع على الجرح، مؤكداً أن القضية الفلسطينية هي “جوهر قضايا الشرق الأوسط” ولا يجوز تهميشها. المبادئ الأربعة التي طرحها (الحل السياسي بدولتين، حكم الفلسطينيين لأرضهم، الحماية الإنسانية، والعدالة القائمة على القانون الدولي) ليست مجرد أمنيات، بل هي شروط مسبقة لأي سلام شامل. فالصين تربط بوضوح بين إعادة إعمار غزة وإدارة الضفة، وبين مبدأ “فلسطين للفلسطينيين”، مقدمةً بذلك حلاً جذرياً يعالج المسببات وليس الأعراض فقط.
تقدم الصين نموذجاً بديلاً للحوكمة الإقليمية؛ نموذجاً لا يفرض شروطاً سياسية، بل يبني “داراً مشتركاً” يقوم على الاحترام المتبادل، حيث يكون السلام هو الضامن للتنمية، والتنمية هي الحارس الأمين للسلام.
