افتتاحية : “دارٌ مشترك”.. حين ترسم الصين ملامح السلام في الشرق الأوسط
افتتاحية: المشهد الصيني
في زمنٍ تتلاطم فيه أمواج الاضطراب الجيوسياسي، وتبدو فيه المنطقة العربية كساحة لصراعات بالوكالة، تبرز “الرؤية الصينية” كمنارةٍ للحكمة الاستراتيجية، لا تكتفي بالمراقبة فحسب، بل تقدم خارطة طريق عملية لصون الاستقرار. فمنذ مطلع عام 2026، وحتى أيلول (سبتمبر) منه، دأب الرئيس الصيني شي جين بينغ، عبر سلسلة من اللقاءات التاريخية مع قادة الإمارات، والسعودية، والأردن، ومصر، على بلورة رؤية متكاملة لا تعالج الأعراض فحسب، بل تجتث مسببات الصراع من جذورها.
إن جوهر هذه الرؤية يكمن في تحول جوهري: من منطق “فرض السلام من الخارج” إلى تمكين “الديناميكية الداخلية” للمنطقة، حيث تصبح شعوب الشرق الأوسط أسياداً لشؤونها، ومالكةً لزمام مصيرها. إنها رؤية ترفض العودة إلى “عصر قانون الغابة”، وتتمسك بسيادة القانون الدولي كمرجعية لا تقبل الانتقائية.
في “المشهد الصيني”، نقرأ اليوم رسالة واضحة للعالم: الأمن ليس ترفاً يُمنح، بل هو نتاج طبيعي للتنمية المستدامة، والتنمية لا تزدهر إلا في كنف السلام. ومن خلال طرح مبادئ “التعايش السلمي”، و”حكم الفلسطينيين لأرضهم”، و”إقامة إطار أمني مشترك”، تضع الصين يدها على الجرح النازف، مقدمةً نموذجاً للتعاون يرفض لعبة “مجموع الصفْر”، ويبني بدلاً منها “داراً مشتركاً” من حسن الجوار، تتمازج فيه المصالح لتجفّف منابع الصراع، وتُرسّخ دعائم الازدهار الدائم لمنطقة لطالما كانت مهداً للحضارات، وهي اليوم أحق بأن تكون مهداً للسلام.
