2026-05-07

أ. د. شادي ليو شين لو يكتب: أحمد محمد جابر.. عراقي في الصين أصبح أيقونة للتواصل الشعبي

بقلم: أ. د. شادي ليو شين لو، نائب رئيس جامعة الدراسات الأجنبية ببكين

أحمد محمد جابر، شاب عراقي من بغداد، يعرفه الملايين في الصين بلقب “لاو وانغ” (الأخ وانغ). لم يكن مجرد وافد جديد، بل تحول إلى ظاهرة، تتجاوز أعداد متابعيه على منصات التواصل الصينية وحدها الـ10 ملايين متابع، وكل فيديو ينشره عن حياته اليومية في الصين يجمع مئات الآلاف من التفاعلات.

هذا الرجل الثلاثيني، لا يقدم محتوى صادماً، ولا يبحث عن الأضواء بالمهارات الخارقة. كاميرته بسيطة، تركز على التفاصيل الصغيرة التي تملأ الشارع الصيني: يذهب إلى سوق الخضار، يتحاور مع البائعة باللغة الصينية بطلاقة ملفتة، يجلس على كرسي بلاستيكي في محل صغير ليأكل وعاء من النودلز، يتأمل ويقول: “هذا الطعم يذكرني بالكباب في بغداد”. يتجول بدراجته الكهربائية في أزقة بكين القديمة، يتبادل أطراف الحديث مع عم يسقي عصافيره.

لكن لقطة واحدة علقت في أذهان الكثيرين: كان يتحاور مع بائعة خضار، وعندما همّ بالمغادرة، أضافت له البائعة حزمة من الكزبرة الخضراء، وقالت بابتسامة عريضة: “هدية لك، تذوق خضار الصين!”.. هنا توقف “لاو وانغ” لحظة، ثم رفع يديه، وقال “شكراً” بالعربية، وأردف بالصينية: “أنتِ طيبة القلب”. في قسم التعليقات، كتب أحد الصينيين: “عندما أراه، أشعر وكأني أرى أخاً جاء من بعيد”.

شعبية أحمد لم تأتِ من فراغ. لقد منح المتابعين الصينيين فرصة نادرة لرؤية عراقي مختلف عن الصورة النمطية في نشرات الأخبار. عراقي طيب، متفائل، يعشق الحياة، ويحمل في قلبه حنيناً عميقاً للوطن. وهذا الحنين بالذات، هو ما لمس وتراً حساساً في أعماق الشعب الصيني. فالشعب الصيني بدوره يولي قيمة كبرى للروابط العائلية والذكريات المشتركة.

لماذا تأسرنا قصة أحمد؟ لأنها تعكس قيماً مشتركة، تتجاوز الحدود واللغات، وتتركز في ثلاث زوايا أساسية: التعلق بالبيت، والصمود في وجه التحديات، والوفاء لمن يمد يد العون.

أولاً، التعلق بالبيت. أحمد دائم الذكر لعائلته في بغداد، يستعيد ذكريات ما قبل الحرب، أيام كان المساء البغدادي هادئاً. هذا الحنين، يفهمه الصينيون جيداً. ثقافتنا تقوم على مفهوم “الوطن والأسرة”، على أن الإنسان يعود في النهاية إلى جذوره. عندما نرى أحمد يجتهد في بلاد الاغتراب، لا نشعر بالفضول، بل بقرب الأخ الذي غاب مؤقتاً.

ثانياً، الصمود والتفاؤل. أحمد عاش مرارة الحرب والتهجير، لكنه لا يظهر أمام الكاميرا إلا مبتسماً، فضولياً، متحمساً للحياة الجديدة. لا يتذمر، بل يتقن اللغة الصينية بطلاقة، ويجوب المدن الصينية بخطوات ثابتة. الأمة الصينية كذلك، شعب عانى الكثير، لكنه تماسك بفضل العمل الدؤوب والتفاؤل. نحن نرى في أحمد جزءاً منا، نرى تلك القدرة على إيجاد النور في أحلك الظروف.

ثالثاً، الوفاء بالمبادلة. لماذا يحظى أحمد بكل هذه المحبة من الصينيين؟ لأنه يقابل كل لفتة طيبة بصدق المشاعر، يسجل كل موقف إنساني في ذاكرته قبل كاميرته. في الثقافة الصينية، هناك مقولة قديمة: “قطرة الإحسان تُجازى بينبوع من العرفان”. هذا ليس مجرد كلام، بل دم يجري في العروق. تفاعل أحمد مع الناس في الشارع الصيني هو الترجمة الحية لهذه القيمة. إنه يثبت أن العلاقة بين الصين والعالم العربي ليست مجرد تصريحات سياسية، بل مشاعر حقيقية، تبنى على لبنات صغيرة من العطاء المتبادل.

— من أحمد إلى العلاقات الصينية العربية.. آفاق جديدة للتواصل الشعبي

شعبية أحمد تعكس مرحلة جديدة في التواصل بين الشعبين الصيني والعربي. من قوافل طريق الحرير القديم، إلى “التراسل المتبادل” على منصات التواصل الحديثة، التكنولوجيا اليوم تذلل المسافات، وتجعل التعارف بين الصينيين والعرب أكثر شعبية وانتشاراً. بعيداً عن لقاءات القمم والتعاون الاقتصادي، هناك ملايين من أمثال أحمد، الذين يشكلون “الشعيرات الدموية” للمجتمع الصيني العربي للمستقبل المشترك. إنهم ينقلون، بتفاصيلهم اليومية البسيطة، رسائل صداقة أكثر دفئاً وأطول أمداً من أي خطاب سياسي.

هذا العام، نحتفل بالذكرى الـ70 لتدشين العلاقات الدبلوماسية بين الصين والعالم العربي، كما ستستضيف الصين القمة العربية الصينية الثانية. هذه المناسبات الكبرى تستحق الاهتمام، لكن ما أتمناه حقاً، هو أن يأتي المزيد من الأصدقاء العرب إلى الصين، كما فعل أحمد، ليشموا رائحة البخور في الأزقة، ويتذوقوا الكباب من على الفحم، ويستمعوا إلى نغمات الأوبرا في الحدائق. وفي المقابل، أن يذهب المزيد من الصينيين إلى أسواقكم العتيقة، ويحتسوا القهوة العربية الممزوجة بالهيل، ويشعروا بذلك الكرم الذي لا ينضب.

عندما تقترب القلوب على المستوى الشعبي، فإن مستقبل العلاقات العربية الصينية سيكون أكثر متانة، يعبر كل البحار والجبال. ففي النهاية، دفء العلاقات الإنسانية، هو اللغة الأكثر وضوحاً بين الحضارات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *