افتتاحية: من بكين إلى الخرطوم.. “صفر جمارك” ليس مجرد إعفاء، بل بوابة للتحول الصناعي
افتتاحية:المشهد الصيني
في الأول من مايو 2026، لن تكون الرسوم الجمركية حاجزاً أمام السلع الأفريقية عند دخولها السوق الصيني. هذا التاريخ لا يمثل مجرد تغيير إجرائي في اللوائح التجارية، بل هو لحظة فارقة في تاريخ الشراكة الأفريقية-الصينية، تجسدت بقرار الرئيس شي جين بينغ التاريخي خلال قمة الاتحاد الأفريقي الـ39 بمنح إعفاء جمركي بنسبة 100% لصادرات 53 دولة أفريقية.
بينما يغلق العالم أبوابه وراء حواجز حمائية متصاعدة، تفتح الصين ذراعيها لسوق يضم 1.4 مليار مستهلك، مقدمة للعالم نموذجاً مختلفاً للتعاون الدولي قائم على “المنفعة المتبادلة” وليس “الاستخراج الأحادي”. بالنسبة للسودان، الذي يمتلك مقومات زراعية وتعدينية هائلة لكنه يعاني من اختناقات في النفاذ للأسواق العالمية، فإن هذه المبادرة ليست رفاهية، بل هي شريان حياة اقتصادي وفرصة ذهبية لكسر دائرة الاعتماد على المساعدات والديون.
لكن السؤال الجوهري الذي طرحه السفير السوداني لدى الصين، عمر عيسى أحمد، خلال اللقاء التشاوري الأخير في بكين، ليس حول “وجود الفرصة”، بل حول “قدرة الاستفادة”. فالإعفاء الجمركي وحده لا يصنع المعجزات؛ إنه يحتاج إلى بنية تحتية لوجستية، وجودة منتجات تنافسية، وتنسيق أفريقي موحد لضمان ألا تتحول هذه الميزة التنافسية إلى سباق داخلي بين الدول الأفريقية.
إن الانتقال من مرحلة “صياغة السياسات” إلى “التنفيذ الفعلي” يتطلب الآن جهداً وطنياً مكثفاً. يجب على السودان أن يحدد بدقة سلعته الاستراتيجية – سواء كانت السمسم، الصمغ العربي، أو المنتجات التعدينية – وأن يعمل على رفع قيمتها المضافة قبل التصدير. إن تحويل “توفير الرسوم الجمركية” إلى “استثمارات في المزارع والمصانع” هو التحدي الحقيقي. إذا أحسنّا استغلال هذه النافذة المفتوحة منذ مايو المقبل، فقد نكون أمام بداية حقيقية لمسار التنمية المستدامة التي طالما حلمنا بها.
