2026-04-20

د.هُمام وانغ قوانغيوان يكتب: بجعلِ اللغةِ الصينيةِ جسرًا، نمضي معًا نحوَ موعدٍ مع الحضارة

همام

د.هُمام وانغ قوانغيوان

في كلِّ عامٍ مع موسمِ “غويو” (أمطار الحبوب)، نحتفي باليوم الدولي للغة الصينية. لا يُحيي هذا اليومُ ذكرى أسطورةِ “تسانغ جيه” — مُخترعِ الكتابة الصينية — فحسب، بل يُتيح أيضًا للعالم بأسره أن يلمس سحرَ هذه اللغة. وعندما تلتقي لغةٌ عريقةٌ من الشرق بالحضارة العربية الزاهرة، يمتدُّ طريقُ حوارٍ عابرٍ للألفيات حتى يومنا هذا.

قيمةَ اللغة الصينية لا تكمن في انتشارها الواسع فحسب، بل في سحرها الفريد أيضًا. فهذا السحر يتجلّى في “شكلها” و”معناها”.

تُعدّ اللغةُ الصينية واحدةً من اللغاتِ الرسمية الستّ في الأمم المتحدة، إلى جانب الإنجليزية والفرنسية والروسية والإسبانية والعربية. ويتجاوز عددُ الناطقين بها كلغةٍ أمّ 1.4 مليار نسمة، ما يجعلها اللغة الأكثر استخدامًا في العالم. ولا يقتصر انتشارُها على الصين، بل يمتد إلى سنغافورة وماليزيا وإندونيسيا وتايلاند وميانمار وغيرها من الدول التي تضم أعدادًا كبيرةً من مستخدمي الصينية. ومن نيويورك إلى لندن، ومن سيدني إلى القاهرة، تُدرج المزيدُ من المدارس اللغةَ الصينية ضمن مناهج تعليم اللغات الأجنبية. كما توفّر المؤسسات الدولية الكبرى، مثل الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية وصندوق النقد الدولي، خدماتِ الترجمة والتحرير باللغة الصينية.

غير أن قيمةَ اللغة الصينية لا تكمن في انتشارها الواسع فحسب، بل في سحرها الفريد أيضًا. فهذا السحر يتجلّى في “شكلها” و”معناها”.

فمن حيث الشكل، يُشبه كلُّ رمز صيني لوحةً فنيةً وقصةً قائمة بذاتها: من استدارة ”日“ (الشمس) إلى تقوّس ”月“ (القمر)، ومن شموخ ”山“ (الجبل) إلى انسياب ”川“ (النهر)، رسم الأجدادُ بخطوطٍ بسيطة ملاحظاتهم عن العالم. وبفضل هذا النظام الكتابي القائم على الدلالة، تُعدّ الصينية اللغةَ الوحيدة التي استمرّت كتابتُها دون انقطاع لآلاف السنين.

أما من حيث المعنى، فعبارة مثل:“海内存知己,天涯若比邻”(في البحار الأربع صديق وفيّ، فكأنّ القريب حاضرٌ وإن بعُد) عبّرت منذ ألف عام عن فكرة المصير المشترك للبشرية. كما يحمل الرمز ”和“ (الوئام) فلسفة شرقية تقوم على الانسجام بين الإنسان والطبيعة والتعايش بين الأمم. إن تعلّم اللغة الصينية ليس مجرد اكتساب أداة تواصل، بل هو دخولٌ إلى كنز حضاري يمتدّ لخمسة آلاف عام.

تعود علاقاتُ الصين بالعالم العربي إلى زمنٍ أبعد مما يتصوّر كثيرون. فمنذ أكثر من ألفي عام، ربط طريقُ الحرير بين تشانغآن وبغداد، ناقلًا الحريرَ والخزفَ وتقنيات صناعة الورق غربًا، بينما تدفّقت التوابلُ والأحجار الكريمة والمعارف الطبية العربية إلى الشرق.

ظلت العلاقاتُ الصينية العربية متينةً عبر العصور، قائمةً على الصداقة والتعاون. واليوم، تُبعث الحياة من جديد في لغتين عريقتين — الصينية والعربية — عبر حوارٍ متجدد. وفي هذا اليوم المميز، اليوم الدولي للغة الصينية، نأمل أن تظلّ هاتان اللغتان جسرًا للصداقة، وطريقًا نحو مستقبلٍ أكثر اتساعًا.

بلغت هذه التبادلاتُ ذروتها في عهد أسرة تانغ، حيث وصل العديدُ من التجّار العرب عبر طريق الحرير البحري إلى قوانغتشو وتشيوانتشو ويانغتشو، واستقرّ بعضهم هناك ليصبحوا من أوائل الجاليات الأجنبية. وفي الوقت ذاته، دوّن الرحالة العربي سليمان التاجر مشاهداته عن الصين في كتابه “أخبار الصين والهند”، الذي يُعدّ مصدرًا مهمًا لدراسة تاريخ تلك الفترة. وفي عهد أسرة سونغ، انتقلت البوصلةُ الصينية إلى أوروبا عبر العالم العربي، فغيّرت تاريخ الملاحة العالمية. أما في عهد أسرة يوان، فقد شهدت العلاقاتُ أوجَ ازدهارها، حيث نشط العلماءُ والحرفيون من آسيا الوسطى وغربها في البلاط، ودخلت المعارفُ العربية، مثل علم المثلثات والأدوات الفلكية، إلى الصين، في حين انتقلت تقنياتُ البارود الصينية غربًا عبر العرب. وفي عهد أسرة مينغ، قاد تشنغ خه رحلاته البحرية الشهيرة، فوصلت أساطيله مرارًا إلى شبه الجزيرة العربية. كما سجّل ما هوان، المترجم المرافق، في كتابه “ينغيا شنغلان (نظرة شاملة على شواطئ المحيط)” تفاصيلَ عن مكة والمناطق المحيطة بها. وفي تلك الفترة أيضًا، تُرجمت مؤلفاتٌ عربية في الطب والتقويم إلى الصينية، مثل “وصفات المسلمين الطبية”، التي لا تزال مرجعًا مهمًا لدراسة الطب الإسلامي.

وتنعكس هذه التبادلات العميقة في اللغة نفسها. ففي اللغة الصينية كلمات ذات أصل عربي مثل ”穆斯林“ (المسلم) و ”伊斯兰教“ (الإسلام)، فضلًا عن أسماء سلعٍ مثل ”乳香“ (اللبان) و”祖母绿“ (الزمرد). وفي المقابل، دخلت كلمات صينية إلى العربية، مثل “الشاي” و”الخزف”.

كما تتشابه اللغتان في حبّهما للحِكم والأمثال. فالمثل الصيني ”远亲不如近邻“ (القريب البعيد ليس كالجيران القريبين) يقابله بالعربية “الجار قبل الدار”، والمثل ”一分耕耘一分收获“ (بقدر ما تزرع بقدر ما تحصد) يقابله “من جدّ وجد”، وكذلك ”一寸光阴一寸金“ (كلُّ لحظةٍ من الزمن تساوي مقدارًا من الذهب) يعادل “الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك”.

ومنذ تأسيس الصين الجديدة، شهد تعليم اللغة الصينية في الدول العربية نموًا سريعًا. فقد افتتحت جامعاتٌ في مصر وتونس والسودان أقسامًا للغة الصينية، وتوسّع التعليم ليشمل السعودية والإمارات وعُمان وغيرها من الدول، حتى في مراحل التعليم الأساسي. كما استأنفت جامعاتٌ مثل جامعة بغداد برامج تدريس اللغة الصينية. وتشهد منطقة الخليج اليوم ازدهارًا ملحوظًا فيما يُعرف بـ”حمّى تعلّم الصينية”.

وفي عام 2009، افتتحت جامعة الملك سعود أولَ قسمٍ للغة الصينية في منطقة الخليج. وقد تشرفتُ بالمساهمة في تأسيس هذا البرنامج، والمشاركة في دعم مسيرة تعليم الصينية في المملكة. ومنذ ذلك الحين، بدأ تعليمُ اللغة الصينية في المملكة العربية السعودية يتوسّع تدريجيًا. وفي عام 2024، أوفدت السعودية مئةَ معلّم محلي لتعلّم اللغة الصينية في الصين، وكان لي شرف لتدريس الثقافة الصينية لهم، وعند عودة هؤلاء المعلّمين إلى بلادهم، سيُشكّلون قوّةً جديدةً لتعليم اللغة الصينية في المملكة ويسهمون في دفع هذا التعليم نحو مزيد من التطوّر والازدهار.

ومع تزايد أعداد الدارسين، برز في العالم العربي جيلٌ من الباحثين المتخصصين في الدراسات الصينية، يعملون في جامعاتٍ ومراكز بحثية في مصر وتونس والسعودية والإمارات وغيرها، ويُسهمون في فهم الصين من جوانب متعددة: سياسية واقتصادية وفكرية وأدبية. لقد شكّل هؤلاء الباحثون جسرًا مهمًا للتواصل بين الجانبين.

لقد ظلت العلاقاتُ الصينية العربية متينةً عبر العصور، قائمةً على الصداقة والتعاون. واليوم، تُبعث الحياة من جديد في لغتين عريقتين — الصينية والعربية — عبر حوارٍ متجدد. وفي هذا اليوم المميز، اليوم الدولي للغة الصينية، نأمل أن تظلّ هاتان اللغتان جسرًا للصداقة، وطريقًا نحو مستقبلٍ أكثر اتساعًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تصفح ايضاً