2026-10-01

وانغ مو يي تكتب: قمة شي وترامب توجه استراتيجي جديد للعلاقات الصينية-الأمريكية

بقلم: وانغ مو يي، صحفية صينية

في الفترة من 23 إلى 25 سبتمبر/أيلول، قام الرئيس الصيني شي جين بينغ بزيارة دولة إلى الولايات المتحدة، تلبية لدعوة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وهذه الزيارة إلى واشنطن كانت زيارة الدولة الأولى للرئيس شي إلى الولايات المتحدة بعد زيارة أخرى أجراها إلى البلاد منذ 11 عاماً، كما أنها المرة الثانية التي يلتقي فيها رئيسا البلدين منذ لقائهما في بكين في مايو/أيار من هذا العام.

وقد حظيت الزيارة باهتمام واسع من المجتمع الدولي.إن تبادل الزيارات بين رئيسي الصين والولايات المتحدة في غضون ستة أشهر يحمل دلالة تاريخية، ويعكس إدراك الجانبين لأهمية الحفاظ على التواصل المباشر.

واتفق الجانبان على إثراء مضامين تموضع العلاقات الصينية-الأمريكية، والعمل معا على علاقة بناءة تتسم بالاستقرار الاستراتيجي وتقوم على الاحترام والإنصاف والمعاملة بالمثل. ويقدم هذا التوجه الجديد للعلاقات الصينية-الأمريكية توجيها استراتيجيا لمسار العلاقات خلال السنوات الثلاث المقبلة وما بعدها.ويمكن تلخيص جوهر هذا التوجه الجديد في أسس محددة: التعاون، مع منافسة معتدلة، وخلافات قابلة للإدارة، ووعود بالسلام.

الاقتصاد والتجارة: توسيع المصالح المشتركة وإدارة الخلافات

لطالما شكّل التعاون الاقتصادي والتجاري أساسا مهما للعلاقات الصينية-الأمريكية، وفي الوقت نفسه، أصبح الاقتصاد والتجارة في السنوات الأخيرة من أبرز المجالات التي تتركز فيها الخلافات بين البلدين.ويمثل الناتج الاقتصادي الإجمالي للصين والولايات المتحدة أكثر من ثلث الاقتصاد العالمي، فيما يشكل مجموع سكان البلدين نحو ربع سكان العالم، ويقارب حجم التجارة الثنائية خمس التجارة العالمية. وبعد عقود من التطور، أقامت الصين والولايات المتحدة روابط اقتصادية وتجارية واسعة ومتداخلة بعمق. وفي عام 2025 وحده، بلغ حجم التجارة بين البلدين 4.01 تريليون يوان. وفي الوقت نفسه، تشكلت بين شركات البلدين روابط واسعة في مجالات الاستثمار وسلاسل الإمداد والتعاون الصناعي.لكن اتساع هذه الروابط هو أيضا أحد أسباب بروز الخلافات بين البلدين في السنوات الأخيرة، ولا سيما بشأن الرسوم الجمركية والتجارة والاستثمار، فضلا عن بعض القضايا المرتبطة بالصناعات وسلاسل الإمداد، أصبحت أيضا عوامل تؤثر في استقرار هذه العلاقات وتطورها.وقبيل لقاء رئيسي البلدين، بدأت الفرق الاقتصادية والتجارية الصينية والأمريكية، صباح 20 سبتمبر/أيلول بالتوقيت المحلي، جولة جديدة من المشاورات الاقتصادية والتجارية في نيويورك. وتوصل الجانبان إلى عدد من التوافقات، بما في ذلك إنشاء مجلس التجارة وغيره من الآليات وتطويرها، والتوصل إلى ترتيبات لخفض الرسوم الجمركية على أساس المعاملة بالمثل بقيمة 30 مليار دولار، وتمديد نتائج المشاورات الاقتصادية والتجارية التي عقدت في كوالالمبور. مما مهّد الطريق للقاء رئيسي البلدين على الصعيد الاقتصادي والتجاري.وخلال اللقاء، أعرب رئيسا البلدين عن تقديرهما للنتائج الإيجابية التي حققتها المشاورات الاقتصادية والتجارية بين الجانبين. وقال شي: “نأمل أن تحظى الشركات الصينية بمعاملة عادلة هنا في الولايات المتحدة. ومن خلال العمل معا، يمكننا توسيع قائمة التعاون وتقليص قائمة المشكلات.”كما قال ترامب إن الجولة الجديدة من المشاورات بين الفريقين الاقتصادي والتجاري حققت نتائج جديدة، وإن على الجانبين مواصلة الحوار.وبالنسبة إلى أكبر اقتصادين في العالم، فإن الحفاظ على استقرار العلاقات الاقتصادية والتجارية وتوسيع التعاون الاقتصادي يرتبطان بمصالح البلدين، كما يمكن أن يساهما في تعزيز استقرار الاقتصاد العالمي.

الذكاء الاصطناعي: مجال للتنافس ونافذة جديدة للتعاون

إلى جانب الاقتصاد والتجارة، يفتح الذكاء الاصطناعي مجالا جديدا للعلاقات الصينية-الأمريكية للاتجاه نحو المستقبل.فمن جهة، يقود الذكاء الاصطناعي جولة جديدة من الثورة العلمية والتكنولوجية، وأصبح أحد المجالات الرئيسية للتنافس بين القوى الكبرى، كما بات في صدارة المنافسة التكنولوجية بين الصين والولايات المتحدة. والصين والولايات المتحدة دولتان رائدتان في مجال الذكاء الاصطناعي، ولكل منهما مزاياها في البحث والتطوير التكنولوجي والتطبيقات الصناعية وابتكار الشركات. ومن ثم، فإن وجود المنافسة بين البلدين في هذا المجال يمثل واقعا لا يمكن تجاهله.وفي السنوات الأخيرة، اشتدت المنافسة في مجالات أساسية مثل نماذج الذكاء الاصطناعي والرقائق والقدرة الحاسوبية، وبرزت المواجهات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي بشكل متكرر في سياقات مثل ضوابط التصدير وقوائم الكيانات والمراجعات الأمنية.لكن من جهة أخرى، فإن التطور السريع للذكاء الاصطناعي يفتح أيضا مجالات جديدة للتعاون.

وقبيل لقاء رئيسي البلدين، أجرى الفريقان الاقتصادي والتجاري الصيني والأمريكي لأول مرة حوارا بشأن الذكاء الاصطناعي في إطار آلية المشاورات الاقتصادية والتجارية. وخلال اللقاء، أشار شي إلى أنه يمكن للجانبين مواصلة الحوار بشأن الذكاء الاصطناعي، وتبادل الآراء حول مخاطره وفوائده، والعمل معا على منع إساءة استخدامه أو استخدامه بشكل ضار.

وقال ترامب أيضا إن الذكاء الاصطناعي يتعلق بمستقبل البشرية، وإن على الصين والولايات المتحدة الحفاظ على الحوار وتعزيز التعاون في هذا المجال. كما اتفق الجانبان على إجراء حوار بين الصين والولايات المتحدة بشأن الذكاء الاصطناعي، لتبادل الآراء حول المخاطر والفوائد المتصلة بالذكاء الاصطناعي. وسيجري الحوار المقبل في نوفمبر/ تشرين الثاني القادم.وهكذا، فإن الذكاء الاصطناعي لا يمثل فقط مجالا للتنافس يحتاج إلى إدارة مناسبة، بل يمكن أن يصبح أيضا مدخلا جديدا للحوار واستكشاف فرص التعاون بين البلدين.

تايوان: إدارة الخلافات للحفاظ على استقرار العلاقات

ولا تزال قضية تايوان واحدة من أهم القضايا وأكثرها حساسية في العلاقات الصينية-الأمريكية، كما أنها من العوامل الرئيسية التي تؤثر في استقرار العلاقات بين البلدين.وموقف الصين بشأن الحفاظ على وحدة البلاد وسلامة أراضيها واضح. وخلال اللقاء، طرح شي جين بينغ موقف الصين بشأن قضية تايوان، داعيا الجانب الأمريكي إلى الالتزام بموقفه الصحيح المتمثل في معارضة ما يسمى “استقلال تايوان”، والتعامل مع قضية تايوان بحذر.ويعكس ذلك مرة أخرى حساسية قضية تايوان ومكانتها في العلاقات الصينية-الأمريكية، كما يبرز أهمية إدارة الخلافات بصورة مناسبة للحفاظ على استقرار العلاقات بين البلدين.

من إدارة الخلافات إلى تعزيز التفاهم بين الشعبين

وللحفاظ على استقرار العلاقات الصينية-الأمريكية، لا يكفي التعامل مع الخلافات القائمة، بل يتطلب الأمر أيضا تعزيز التفاهم المتبادل بين شعبي البلدين، ولا سيما بين جيل الشباب.وخلال الزيارة، أعلن شي أن الصين ستدعو 100 ألف شاب أمريكي إلى الصين للتبادل والدراسة خلال السنوات الخمس المقبلة.

ويفتح ذلك فرصا جديدة أمام شباب البلدين للتعارف والتفاهم، ويضيف بعدا آخر إلى العلاقات الصينية-الأمريكية يتجاوز القضايا الاقتصادية والسياسية المباشرة.ومن التعاون الاقتصادي والتجاري إلى الذكاء الاصطناعي، ومن إدارة الخلافات إلى تعزيز التبادلات الشبابية، لا تحتاج العلاقات الصينية-الأمريكية إلى معالجة القضايا الراهنة فحسب، بل تحتاج أيضا إلى المزيد من العوامل الإيجابية التي يمكن أن تدعم استقرارها على المدى الطويل.وبالنظر إلى مسار العلاقات على مدى فترة أطول، فقد شهد توصيف العلاقات الصينية-الأمريكية تعديلات متعددة منذ عام 1949، من “العدو” و”شبه الحليف”، إلى “الشراكة الاستراتيجية البناءة” و”علاقات الشراكة” و”أصحاب المصالح المشتركة” و”علاقات الدول الكبرى الجديدة”.

وخلال السنوات العشر الماضية، مرت العلاقات الصينية-الأمريكية بتقلبات عديدة، وشهدت احتكاكات وحوارات ومنافسة وتعديلات مستمرة، فيما راكم الجانبان، في خضم ذلك، قدرا من التفاهمات بشأن كيفية التعامل مع العلاقة.كما أصبحت آليات التواصل بين الجانبين أكثر انتظاما، وتطورت الآليات الخاصة بإدارة الخلافات بصورة مستمرة.وفي هذا السياق، يأتي طرح بناء علاقة بناءة بين الصين والولايات المتحدة تتسم بالاستقرار الاستراتيجي باعتباره توجها جديدا في التعامل مع العلاقة، يقوم على البحث عن نموذج أكثر مرونة واستدامة للتعايش السلمي، وإدارة المخاطر، وتعزيز التعاون.

فالصين والولايات المتحدة تختلفان في أنظمتهما وتاريخهما ومصالحهما، ولذلك لن تختفي المنافسة. لكن كيفية إدارة هذه المنافسة، وكيفية التعامل مع الخلافات، وكيفية توسيع مجالات التعاون، ستظل من العوامل المهمة التي تحدد مسار العلاقات الصينية-الأمريكية في السنوات المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *