2026-04-20

رامي مياو يكتب: احتفالاً باليوم العالمي للغة الصينية

بقلم: رامي مياو

في 20 أبريل 2026، نحتفل باليوم السابع عشر للغة الصينية في الأمم المتحدة. يحمل احتفال هذا العام شعار “الحبر والقلم يترابطان، واللحن الصيني يُشرك العالم”. يصادف 20 أبريل من كل عام موسم “قو يو” في التقويم الصيني التقليدي، والذي يُعتقد أن المخترع الأسطوري للقطعة الصينية “تسانغ جيه” قد ابتكر القطعات في ذلك اليوم بالذات، فأمطرت السماء حبات الحبوب. في عام 2010، خصصت الأمم المتحدة هذا اليوم ليكون يوم اللغة الصينية، بهدف تعزيز التنوع اللغوي والثقافي، وتشجيع استخدام اللغة الصينية على قدم المساواة في العمل الدبلوماسي متعدد الأطراف داخل الأمم المتحدة. هذا اليوم الذي ولد من أسطورة قديمة أصبح اليوم نافذة مهمة للعالم للتعرف على اللغة الصينية والثقافة الصينية.

تحمل اللغة الصينية ذاكرة حضارة الأمة الصينية التي تمتد لخمسة آلاف عام، وتشكل وعاءً هامًا للحكمة الشرقية. على مستوى العالم، تم تدريس اللغة الصينية في أكثر من 190 دولة ومنطقة، حيث افتتحتها أكثر من 4000 جامعة، وأكثر من 30 ألف مدرسة ابتدائية وإعدادية وثانوية، وما يزيد على 45 ألف مدرسة صينية بالخارج، وأدرجت 85 دولة اللغة الصينية في نظامها التعليمي الوطني، ويبلغ عدد الدارسين للغة الصينية حول العالم أكثر من 30 مليون نسمة، بينما يقترب عدد من تعلموا واستخدموا اللغة الصينية من 200 مليون نسمة. من فصول معهد كونفوشيوس في آسيا الوسطى، إلى مواقع الشركات الصينية في أفريقيا، من قاعات الندوات في الجامعات الأوروبية، إلى الأرصفة في أمريكا اللاتينية، تنتشر رؤية وأصوات اللغة الصينية في كل مكان. لقد أصبح تعلم اللغة الصينية موضة جديدة بين شباب العالم، وأصبحت اللغة الصينية جسرًا يربط بين الحضارات المختلفة ويعزز التواصل الشعبي.

يحظى انتشار اللغة الصينية في العالم العربي باهتمام بالغ. في عام 2025، احتفلت المملكة العربية السعودية والصين بالذكرى الخامسة والثلاثين لتأسيس العلاقات الدبلوماسية بينهما، وأقيما معاً أول “عام ثقافي سعودي صيني”، وأُدرجت اللغة الصينية رسمياً في نظام التعليم الوطني السعودي. وقد أعرب البروفيسور عبد الله بن سلمان آل سلمان، رئيس جامعة الملك سعود، بحرارة عن أن تعلم اللغة الصينية ليس مجرد اكتساب مهارة لغوية، بل هو رحلة نحو رؤية متعددة الثقافات، وفهم الحضارة العالمية، وبناء جسور الصداقة. في عام 2025، انطلق مشروع الماجستير للمعلمين السعوديين المائة لتعليم اللغة الصينية في الصين، بهدف تخريج 100 معلم سعودي متخصص في اللغة الصينية خلال ثلاث سنوات. وفي الوقت نفسه، أصدرت دار النشر التربوية بهونان بالتعاون مع جامعة الملك سعود سلسلة كتب “المنهاج الجديد للغة الصينية”، التي تدمج بشكل مبتكر معايير اختبار الكفاءة في اللغة الصينية (HSK) مع العناصر الثقافية العربية، لتكون مصممة خصيصًا للمتعلمين السعوديين. في الإمارات العربية المتحدة، يواصل معهد كونفوشيوس في جامعة زايد جهوده في تعليم اللغة الصينية والتبادل الثقافي، حيث استقطب نشاط التسجيل للفصل الدراسي الخريفي لعام 2025 أكثر من 300 من الطلاب وأعضاء هيئة التدريس، وشارك الطلاب في تجارب ثقافية مثل طي الملابس الصينية التقليدية (هانفو)، وتذوق الزلابية، وصنع الأساور، للتعرف على اللغة والثقافة الصينية. كما أقيمت نهائيات مسابقة “جسر اللغة الصينية” في الإمارات عام 2025 بنجاح، بمشاركة أكثر من 400 من الطلاب وأولياء الأمور، وتضمنت فقرات مثل إلقاء الخطب بالصينية وعرض الفنون الشعبية (الكواي بان).

في السودان، أظهر تعليم اللغة الصينية أيضًا قدرة استثنائية على البقاء رغم الظروف الصعبة. يُعد السودان من أوائل الدول العربية التي افتتحت معاهد كونفوشيوس، حيث تأسس معهد كونفوشيوس بجامعة الخرطوم عام 2008 بالتعاون بين جامعة نورث وست نورمال الصينية وجامعة الخرطوم. على مدار أكثر من عقد من الزمان، خرّج المعهد أكثر من عشرة آلاف متخصص في اللغة الصينية، ليكون جسراً للتعارف والتواصل بين الشعبين السوداني والصيني. كما وسّع المعهد شبكته التعليمية، فأنشأ أقساماً للغة الصينية في جامعة كررى، وكلية بحري، وجامعة البحر الأحمر كنقاط تدريس، وجمع بين التدريب الشعبي للغة الصينية والتعليم الأكاديمي المتخصص.

 في عام 2023، اندلعت الحرب في السودان، وأدى الصراع المسلح المستمر لأكثر من عامين إلى حرمان نحو 17 مليون طفل من التعليم، وإغلاق 90% من المدارس. لكن رغم الدخان الكثيف، لم تنقطع حماسة السودانيين لتعلم اللغة الصينية.

مجموعة من المعلمين السودانيين للغة الصينية أنشأوا مركزاً لتدريس اللغة الصينية في وسط مدينة عطبرة أطلقوا عليه “المجموعة الصينية”، وقد استقطب المركز حتى الآن أكثر من 140 طالباً، نحو 60% منهم من النازحين بسبب مناطق النزاع. لقد تكفل المعلمون بأنفسهم بتوفير رأس المال اللازم، وتواصلوا  مع الأصدقاء لجلب الكتب الدراسية من الصين عن بُعد، واختاروا موقع المركز في طابق أرضي بأحد الأحياء السكنية لتجنب الهجمات بالطائرات المسيرة، ويواصلون التدريس رغم كل شيء.

 في عام 2025، نظمت “المجموعة الصينية” احتفالاً برأس السنة الصينية في عطبرة، حضره مئات السكان المحليين رغم المخاطر الأمنية، وتضمن الاحتفال قصائد شعرية، ومسرحيات هزلية، وغناء بالأغاني الصينية. قادت الطالبة النازحة رواء خالد (22 عاماً) أغنية “الأصدقاء” كعازفة منفردة، وتحلم بأن تصبح مذيعة أخبار صينية؛ بينما يتطلع صالح (29 عاماً) إلى آفاق العمل الجيدة بعد إتقان اللغة الصينية، مؤمناً بأن الصينية ستصبح “لغة المستقبل”، ويأمل في المشاركة في التعاون التجاري مع الشركات الصينية وإعادة الإعمار بعد انتهاء الصراع في السودان.

 قصة تعليم اللغة الصينية في السودان هي أبلغ تعبير عن قدرة اللغة على تجاوز الحروب والصعوبات وربط القلوب. في مارس 2026، أعلن والي ولاية البحر الأحمر عن تنظيم سلسلة من الفعاليات الثقافية تحت شعار “شكراً للصين” ومسابقة “جسر اللغة الصينية” لطلاب الجامعات السودانية. وفي أبريل 2026، قام القائم بأعمال السفارة الصينية لدى السودان، شو جيان، بزيارة لجامعة دنقلا في الولاية الشمالية، وتبادل وجهات النظر حول تعزيز التبادل الثقافي السوداني الصيني ونشر تعليم اللغة الصينية في السودان، وقدم منح “صداقة السودان والصين” للطلاب المتفوقين. تعمل الصين والسودان معاً على حماية شعلة تعليم اللغة الصينية وسط الحرب والتحديات.

إن انتشار اللغة الصينية لا يدفع التبادل الثقافي فحسب، بل يحقق أيضاً أرباحاً لغوية للتعاون الاقتصادي والتجاري. تشير الدراسات إلى أن التجارة الثنائية تتحسن غالباً عندما يستطيع سكان دولتين استخدام لغة مشتركة.

في ظل التكامل العميق بين مبادرة “الحزام والطريق” ورؤية المملكة العربية السعودية 2030، تزداد القدرة التنافسية المهنية للشباب العربي المتقن للغة الصينية في مجالات الاقتصاد والطاقة والبنية التحتية. اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي أساس التفاهم المتبادل وبناء المستقبل المشترك.

في إطار منتدى التعاون الصيني العربي، تم تنظيم مشروع التبادل الثقافي “فن طريق الحرير” منذ عام 2009 بنجاح لثلاث عشرة دورة، حيث استضاف المشروع 203 فناناً من 22 دولة عربية، وأنتج 443 لوحة و106 منحوتات وأعمال فنية أخرى. في أبريل 2026، بدأ 9 فنانين عرب من 6 دول هي الجزائر وعُمان ومصر والمغرب وتونس والأردن رحلة جديدة إلى الصين، لاستلهام الطبيعة في بكين وفوجيان. وعندما تجول الفنان المصري محمد صبري في متحف البيانو التاريخي في جزيرة غولانغيو بمدينة شيامن، قال: “أتطلع لأن أنقل بفرشاتي جمال هذا المكان إلى أصدقائي في العالم العربي”. وهذا هو جوهر التبادل الثقافي – أن تتفاهم حضارات مختلفة من خلال الحوار، وتتقدم معاً من خلال التقدير المتبادل.

يشهد عالمنا اليوم تغييرات عميقة، وأصبح تعزيز الحوار والتفاهم المتبادل بين الحضارات أكثر أهمية من أي وقت مضى. في الآونة الأخيرة، أصدر باحثون صينيون وأفارقة وعرب “إجماع الجزائر” بشأن تعزيز التبادل الحضاري والتعاون بين دول الجنوب العالمي، الذي يدعو إلى تجاوز الفجوات بالتبادل الحضاري، وحل الخلافات بالاستفادة المتبادلة، ونبذ التعالي بالتعايش المشترك. في يوم اللغة الصينية هذا، دعونا نتخذ من اللغة جسراً ومن الثقافة وسيطاً، لتعزيز انتشار اللغة الصينية في العالم العربي، وتعميق التبادل الإنساني الصيني العربي، وبناء مستقبل مشرق للحوار بين الحضارات معاً. ليتألق الحضارة العربية العريقة والحضارة الصينية العريقة بأضواء جديدة من خلال التقدير المتبادل، ولتنبت بذور الصداقة وتترعرع في قلوب شعوب البلدين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *