2026-04-17

عبدالوهاب جمعه يكتب: العلاقة الصينية- الالمانية.. اختبار “الواقعية الجديدة”

بقلم: عبدالوهاب جمعه

في اول زيارة لمسؤول غربي للصين بعد عطلة عيد الربيع، وجد المستشار الالماني ميرتس نفسه يعيش معنى “الواقعية الجديدة” للعلاقات الصينية الالمانية.

الصين.. من سوق استهلاكية إلى “مختبر الابتكار” العالمي

اثناء تجوله في شركة ” يونتري ”  Unitree الصينية للروبوتات شاهد روبوتات بشرية تؤدي حركات الكونغ فو وألقى نظرة على المكونات الأساسية وراء الآلات.

جرب ميرتس نظام القيادة الذكية لسيارة من طراز مرسيدس ببكين ، وزار مرافق شركة سيمنز للطاقة العملاقة الألمانية، بما في ذلك ورش عمل لمعدات الطاقة عالية الجهد.

خطوات المستشار الالماني في الصين برفقة أكبر وفد اقتصادي منذ عهد ميركل، تشير لحدث يشكل  منعطف في العلاقات الصينية الالمانية ولغة جديدة مغايرة تماما انها لغة الشريك الذي يدرك أن الصين لم تعد مجرد سوق استهلاكية، بل أصبحت مختبراً عالمياً للابتكار، ومنافساً نداً في قلب الثورة الصناعية الخضراء. إنها “الواقعية الجديدة” التي تعيد تعريف معنى الشراكة في القرن الحادي والعشرين.

لماذا لم يعد نموذج “السوق مقابل التكنولوجيا” كافياً لوصف العلاقة بين برلين وبكين اليوم؟ زيارة ميرتس التاريخية تحمل معها إجابة الصحيحة.

تكمن الاجابة في تحول المنافسة إلى محرك للابتكار المشترك، ويحول العلاقة من اعتماد تقليدي إلى تكامل استراتيجي حقيقي.

مقترحات بكين: ركائز الشراكة المستقبلية

اصبحت العلاقات الصينية-الألمانية تشكل “ركيزة استقرار” و”مرساة أمان” في عالم مضطرب، وتتمتع بزخم اقتصادي قوي يتحدى دعوات “فك الارتباط” و”تقليل المخاطر”.

يمكن النظر الى الـ(3) مقترحات التي قدمها الرئيس شي جين بينغ للمستشار الالماني لزيادة تنمية العلاقات الصينية-الألمانية.

حيث ذكر الرئيس شي بوضوح انها تتمثل في:

أولا: يتعين على البلدين أن يكونا شريكين موثوقين يدعم كل منهما الآخر.

ثانيا: إنه يتعين على البلدين أن يكونا شريكين ابتكاريين يدعمان الانفتاح وتحقيق النتائج المربحة للطرفين.

ثالثا:  قال شي إنه يتعين على البلدين أن يكونا شريكين يفهمان بعضهما البعض ويتبادلان الروابط الوثيقة من خلال التبادلات الثقافية والشعبية.

التنافس والشراكة.. معادلة “الواقعية الجديدة”

العلاقة التي بنيت لعقود على تصدير الخبرة الألمانية واستيراد الازدهار من السوق الصيني قد وصلت إلى نقطة تحول. ألمانيا لا تتعامل اليوم مع “سوق نامية” تحتاج لتكنولوجيتها، بل مع منافس عالمي في الابتكار والتكنولوجيا الخضراء. هذا ليس تهديداً بالمعنى التقليدي، بل هو واقع جديد يجب التعامل معه.

محور “الواقعية الجديدة ” يتشكل من التنافس والشراكة في آن واحد، هنا تكمن “الواقعية الجديدة”. فالشركات الألمانية لم تنسحب، بل ضاعفت استثماراتها. انها اشبه بقصة ” اعتماد متبادل” تأتي الشركات الالمانية للصين اتطوير منتجاتها مستفيدة من التقدم الصيني في التقنية والذكاء الاصطناعي والروبوتات والطاقة الجديدة ، في الوقت نفسه تستثمر الشركات الصينية في ألمانيا، وتنقذ مصانع وتخلق وظائف، وتصبح جزءاً من النسيج الصناعي الألماني.

وحسب احصاءات الجمارك الصينية في عام 2025، فقد بلغ إجمالي تجارة السلع بين الصين وألمانيا 1.51 تريليون يوان (نحو 217.83 مليار دولار أمريكي)، بزيادة 5.2 بالمئة عن العام السابق، وبمعدل نمو أعلى بـ 1.4 نقطة مئوية من معدل توسع التجارة الخارجية الإجمالي للصين خلال العام، وفقاً للإدارة العامة للجمارك.

تحول الرؤية الألمانية: دروس من النموذج الصيني

نبرة ولغة المانيا تغيرت لم نعد نسمع عن “مخاطر” الاعتماد على الصين، بل نسمع أصواتاً تدعو لـ”التعلم من النموذج الصيني”، خصوصاً في قدرته على التخطيط طويل المدى وتنفيذ السياسات الصناعية. هذا اعتراف ضمني بأن الصين  لم تعد مجرد متلقي  بل أصبحت مختبرا للابتكار يمكن للغرب أن يستفيد منه.

ما يجمع ألمانيا والصين اليوم هو نسيج معقد من التنافس والتكامل في آن واحد. هذا التشابك الجديد لا يحتمل منطق “فك الارتباط” الذي وصفه ميرتس نفسه بأنه “إطلاق رصاص على أقدامنا”

 برلين اصبحت تنصت لاصوات المصانع اكثر من اصوات الضجيج السياسي، ويبدو ذلك ظاهرا في الوفد الكبير من رجال الاعمال الالمان الذي جاء بصحبة ميرتس والذين كان صوتهم الموحد هو “تعميق العلاقات مع الصين”.

“الواقعية الجديدة” ترسم ملامح نظام عالمي متعدد الأقطاب

تشير زيارة ميرتس للصين مع اول عام في الخطة الخمسية الـ(15) من 2026 الى 2030 إلى ارتفاع اصوات “التعلم من النموذج الصيني” في التخطيط طويل المدى والسياسات الصناعية. هذا التحول من “إملاء الشروط” إلى “الاستعداد للتعلم” هو جوهر الواقعية الجديدة وهو اعتراف ضمني بأن مركز الثقل في المعادلة العالمية لم يعد حكراً على الغرب.

 في هذا العالم الجديد، عام الحصان الصيني “المتوثب ” و” المنطلق ” بكل قوة، لم تعد العلاقة الألمانية-الصينية مجرد شراكة تقليدية، بل أصبحت معمل حقيقي لصياغة نظام عالمي متعدد الأقطاب، يتسع للتنافس والشراكة معا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *