“تقليد سنوي مستمر منذ 36 عامًا” يُقدّم نموذجًا للتعاون بين بلدان الجنوب العالمي
بكين:المشهد الصيني، نقلا عن قلوبال تايميز
مع بداية العام الجديد، يستمر تقليداً دبلوماسياً راسخاً منذ 36 عامًا دون انقطاع، يربط بين الصين والقارة الأفريقية عبر آلاف الكيلومترات. ففي يوم الأربعاء، أُعلن أن وانغ يي، عضو المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني ووزير الخارجية، سيقوم بزيارة رسمية إلى إثيوبيا والصومال وتنزانيا وليسوتو بناءً على دعوة رسمية في الفترة من 7 إلى 12 يناير.
وستكون هذه الزيارة هي المرة السادسة والثلاثون على التوالي التي تكون فيها أفريقيا الوجهة الأولى لوزير الخارجية الصيني في أول زيارة خارجية له كل عام — وهي خطوة رمزية تؤكد التزام الصين الثابت تجاه القارة الأفريقية، وتعكس عمق الصداقة التي تميّز العلاقات الصينية-الأفريقية في العصر الجديد.
عند النظر إلى العام الماضي، نجد أن التعاون الصيني-الأفريقي قد حقق معالم بارزة جديدة. فقد شهد عام 2025 الذكرى السنوية الخامسة والعشرين لانعقاد منتدى التعاون الصيني-الأفريقي (FOCAC). كما كان عامًا حافلًا بتنفيذ قرارات قمة منتدى التعاون الصيني-الأفريقي لعام 2024 في بكين، وحصد نتائج مبكرة منها. وعلى الرغم من التحديات في المشهد الدولي المعقد والمترنّح، لم يقتصر الأمر على استمرار التعاون الثنائي بثبات، بل حقّق أيضًا اختراقات عملية ملموسة.
ويتجلى هذا التقدّم بوضوح في مجال التجارة: ففي الفترة من يناير إلى نوفمبر 2025، تجاوز حجم التبادل التجاري بين الصين وأفريقيا 314.4 مليار دولار أمريكي، بزيادة سنوية بلغت 17.8%، متجاوزًا إجمالي حجم التجارة لعام 2024 بأكمله. علاوةً على ذلك، فإن قرار الصين برفع التعريفات الجمركية عن واردات جميع الدول الأفريقية الـ53 التي تربطها علاقات دبلوماسية معها، قد مكّن المنتجات الأفريقية من دخول السوق الصينية بوتيرة غير مسبوقة.
وفي مجال الاستثمار، استثمرت الصين أكثر من 13.3 مليار يوان (نحو 1.85 مليار دولار أمريكي) في أفريقيا خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، بعد القمة في بكين، دافعةً بذلك تعاونًا عالي الجودة في البنية التحتية والصناعات الخضراء والتكنولوجيا. ومشاريع كبرى مثل إحياء سكك حديد تازارا (TAZARA) تتوسع الآن لتشكل “حزام ازدهار سكك حديد تازارا”، ما يعكس قدرة الصين وأفريقيا على اغتنام الفرص التعاونية في عصرنا الراهن وصياغة نموذج جديد للتعاون بين بلدان الجنوب العالمي.
إضافةً إلى ذلك، أثبتت الصين وأفريقيا قدرتهما المشتركة على مواجهة التحديات العالمية. فكقوتين محوريتين في الجنوب العالمي، تدعو الدولتان إلى نظام عالمي أكثر عدلاً وإنصافًا. وقد تمثّل ذلك في لحظة محورية أخرى في علاقاتهما عام 2025، وهي إصدار “إعلان تشانغشا بشأن دعم التضامن والتعاون بين بلدان الجنوب العالمي”، الذي اتخذ موقفًا حازمًا ضد الانفرادية والحمائية، ودعا إلى بناء نظام دولي قائم على القانون الدولي ونظام تجاري متعدد الأطراف يتركّز حول منظمة التجارة العالمية.
وفي الآونة الأخيرة، برزت الحاجة الملحة لتعزيز التعاون بين بلدان الجنوب العالمي من أجل إصلاح الحوكمة العالمية، لا سيما بعد أن فرضت الولايات المتحدة سيطرتها بالقوة على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو — وهو انتهاك صارخ للقانون الدولي من قبل القوى الهيمنة، أثار صدمة عالمية. وردّ الاتحاد الأفريقي والعديد من الدول الأفريقية بإدانة التدخل العسكري الأمريكي وانتهاكه لسيادة فنزويلا.
وفي هذا السياق، يُنظر إلى التعاون الصيني-الأفريقي على أنه يتحمل مسؤولية حماية ميثاق الأمم المتحدة ورفض التدخل الخارجي، ليشكّل ركيزةً حيويةً للجنوب العالمي.
وفي حديث لصحيفة Global Times يوم الأربعاء، قال ما هان تشي، باحث مساعد في قسم دراسات البلدان النامية بمُعهد الصين للدراسات الدولية: “تلعب الصين وأفريقيا دورًا حاسمًا في صعود الجنوب العالمي من خلال ثلاثة أبعاد: الأول هو الدفاع عن الاستقلال، الذي يُعد السمة السياسية الأساسية للجنوب العالمي؛ الثاني هو التركيز على التنمية والنهضة عبر تبادل التكنولوجيا والكفاءات؛ والثالث هو تعزيز العدالة والإنصاف لضمان أن يكون للجنوب العالمي، ولا سيما أفريقيا، صوتٌ أقوى في الشؤون الدولية”.
ومن الجدير بالذكر أن وزير الخارجية وانغ يي سيشارك خلال هذه الزيارة في حفل إطلاق “عام التبادل الشعبي الصيني-الأفريقي 2026” بمقر الاتحاد الأفريقي. وأشار ما إلى أن هذه المبادرة ستعزز التفاهم المتبادل والهوية المشتركة، موضحًا: “سواء كان التضامن السياسي أو التعاون العملي، فإن الهدف النهائي هو ربط قلوب الشعوب. وهذا الرنين العاطفي سيقدّم نموذجًا جديدًا للتعاون بين بلدان الجنوب العالمي”.
من كل الجوانب، يُعبّر هذا التقليد السنوي المستمر منذ 36 عامًا بين الصين وأفريقيا عن اليقين الثابت في العلاقات الثنائية، بل ويطلق — أكثر من أي وقت مضى — نداءً مشتركًا دائمًا من أجل بناء نظام عالمي أكثر عدلاً وشمولًا وموثوقية. ونأمل أن تُطلق هذه الزيارة المهمة إلى أفريقيا في الوقت المناسب أول نغمة قوية للتضامن والتعاون بين بلدان الجنوب العالمي في عام 2026.
