2026-05-28

الصين تقود تحالفاً عالميا جديدا للقضاء على الفقر.. والسودان في قلب المبادرة بـ “نموذج المشاركة المجتمعية”

وزير الثروة الحيوانية

بكين: المشهد الصيني

في خطوة تاريخية تعيد رسم خريطة التعاون الإنمائي الدولي، أعلن منتدى “الحد من الفقر والتنمية 2026” رفيع المستوى في بكين عن تدشين “التحالف العالمي للشراكة في الحد من الفقر والتنمية” (GPPAD). هذا التحالف الضخم، الذي أطلقت الصين مبادرته بالاشتراك مع 53 دولة وتسع منظمات دولية كبرى، لا يمثل مجرد منصة للتشاور فحسب، بل يُعد نقلة نوعية نحو آليات عملية ملموسة لنقل الخبرة الصينية الناجحةالتي انتشلت مئات الملايين من براثن الفقر إلى دول العالم النامي، وفي مقدمتها السودان الذي يتواجد بقوة في صلب هذه المبادرة الجديدة.

السودان: شريك فاعل في مستقبل التنمية

لم تكن مشاركة السودان في هذا المحفل الدولي مجرد حضور روتيني، بل جاءت لتؤكد دور الخرطوم كشريك فاعل في صياغة مستقبل التنمية العالمية. مثل السودانَ وفدٌ رفيع المستوى ترأسه البروفيسور أحمد التيجاني المنصوري وزير الثروة الحيوانية والسمكية، يرافقه السفير عمر عيسى أحمد سفير السودان لدى الصين.

وشارك الوزير بنشاط مكثف في الجلسة التأسيسية للدول الأعضاء في لجنة الشراكة العالمية، كما كان له حضور بارز في منتدى “التعبئة الاجتماعية والمشاركة المجتمعية”، حيث سلط الضوء على الركائز الأساسية للتنمية المستدامة في الدول الخارجة من الصراعات. وقد جاء الإعلان الرسمي عن تأسيس الشراكة تتويجاً لجهود دبلوماسية وتنموية تهدف إلى خلق بيئة عادلة وشاملة، ترحب بانضمام الحكومات، والقطاع الخاص، والأوساط الأكاديمية، والإعلام، للعمل جنباً إلى جنب.

الدعم الصيني: نقل التكنولوجيا وتمكين الكفاءات

أكد نائب رئيس مجلس الدولة الصيني، ليو قوه تشونغ، في كلمته الافتتاحية، أن الصين لن تكتفي بالدعم المالي أو السياسي، بل ستضع خبراتها التقنية والتنظيمية تحت تصرف الشركاء الجدد. وأشار إلى أن الرئيس شي جين بينغ يضع على رأس أولوياته بناء “مجتمع مصير مشترك للبشرية خالٍ من الفقر”.

مقترحا أربع ركائز عمل للتحالف الجديد تشمل تسريع الخطوات العملية لتحقيق أهداف أجندة 2030 للأمم المتحدة، وتعميق الحوار وتبادل الخبرات في حوكمة مكافحة الفقر، وتعزيز الدوافع الداخلية عبر تمكين الأسواق ونقل التكنولوجيا، بالإضافة إلى تحسين نظام الحوكمة العالمية عبر التنسيق متعدد الأطراف.

المنصوري: “التنمية تُبنى من المجتمع”

في كلمة مؤثرة ومحورية، قدم البروفيسور أحمد التيجاني المنصوري رؤية سودانية ثرية تثري النقاش العالمي. فقد أكد أن “التعبئة الاجتماعية والمشاركة المجتمعية ليست شعارات، بل هي حجر الأساس لأي تنمية مستدامة، خاصة في الدول التي تعاني من آثار النزاعات والتغير المناخي مثل السودان”.

وشدد الوزير على درس مستفاد من التجربة الصينية وهو أن المشروعات التنموية تنجح عندما تكون المجتمعات شريكا في التخطيط والملكية والمساءلة، وتفشل حين تغيب عنها”.

واستعرض المنصوري التحديات الهيكلية التي تواجه السودان وأفريقيا، من فقر وبطالة وانعدام أمن غذائي، رابطاً حلّها بتمكين المجتمعات المحلية في سلاسل القيمة للإنتاج الحيواني والسمكي والزراعي. وأشاد بالنموذج الصيني ليس فقط لبنائه البنية التحتية، بل لتركيزه على “تمكين صغار المنتجين وربطهم بالأسواق”، وهو ما يسعى السودان لتطبيقه عبر مشروع “مدن الإنتاج الحيواني” في ولايات متعددة.

وأوضح الوزير أن هذه المشاريع ليست اقتصادية فحسب، بل هي أدوات للتحول الاجتماعي وتعزيز السلام، من خلال خلق فرص للشباب والنساء، وتقليل النزاعات حول الموارد الطبيعية، مما يعزز التماسك الاجتماعي كأفضل ضمانة للاستقرار.

أركان التحالف: من المبادئ إلى التطبيق

ارتكزت وثيقة إطلاق التحالف على مبادئ راسخة تضمن استدامته وفعاليته، بدءاً من الاحترام المتبادل والتعلم المشترك الذي يعترف بحق كل دولة في اختيار مسارها التنموي المناسب لظروفها، مروراً بالتوجه نحو العمل العملي والفوز المشترك الذي يركز على بناء القدرات وفقاً للمزايا النسبية لكل عضو. كما دعا التحالف إلى مبدأ الدقة ووضع الإنسان في المقام الأول لاتخاذ إجراءات مستهدفة تمنع عودة الفقراء إلى الفقر مرة أخرى، فضلاً عن مبدأ الانفتاح والشمولية الذي يرحب بكافة الفاعلين من حكومات وقطاع خاص وإعلام وأكاديميا للمشاركة في خلق بيئة تنموية غير تمييزية ومستدامة.

نحو عهد جديد من التنمية المشتركة

يمثل إطلاق “التحالف العالمي للشراكة في الحد من الفقر والتنمية” أكثر من مجرد حدث دبلوماسي؛ إنه إشارة واضحة على تحول النموذج التنموي العالمي من “المساعدات التقليدية” إلى “الشراكة في المعرفة والقدرات”. وبوجود السودان كعضو مؤسس وفاعل، تفتح أبواب جديدة لاستعادة زخم التنمية في منطقة القرن الأفريقي.

إن نجاح هذا التحالف لن يُقاس بالأرقام المالية وحسب، بل بقدرته على ترجمة الفلسفة الصينية في “التنمية المتمحورة حول الإنسان” وتجارب الدول النامية الأخرى، إلى واقع ملموس يخفف معاناة الملايين. وكما أشار الوزير المنصوري، فإن الطريق للخلاص من الفقر يمر عبر تمكين الإنسان وبناء مجتمعات قادرة على الاعتماد على ذاتها، وهو ما يجعل من هذا التحالف أملاً حقيقياً في عالم يبحث عن بدائل ناجعة للعدالة والتنمية المستدامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *