وانغ يي يتحدث : نص كلمة وزير الخارجية الصيني في الامم المتحدة
نيويورك: المشهد الصيني
نص كلمة سعادة عضو المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، ووزير خارجية جمهورية الصين الشعبية وانغ يي في الاجتماع رفيع المستوى لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بعنوان «التمسك بأغراض ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة وتعزيز النظام الدولي المتمحور حول الأمم المتحدة» التمسك بميثاق الأمم المتحدة، وإعادة إحياء دور المنظمة، والسعي نحو الهدف السامي المتمثل في بناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية
صاحب السعادة الأمين العام أنطونيو غوتيريش،
زملائي الأعزاء،
أشكر الأمين العام غوتيريش على حضوره هذا الاجتماع وعلى إحاطته الإعلامية.
نحن نجتمع هنا في وقت تشهد فيه الحالة الدولية تحولات معقدة وعميقة هي الأكثر تعقيداً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فسحب الحرب تتراكم مرة أخرى، وقانون الغابة يعود للظهور. إن سفينة الحضارة الإنسانية تبحر في مياه خطرة، والسلام والتنمية في العالم يقفان عند مفترق طرق حاسم.
وكما تصور هذه الجدارية الموجودة في قاعة مجلس الأمن، فقد وُلد العالم من جديد من رماد الحرب العالمية الثانية، والتاريخ يمضي قدماً وسط منعطفات وتحديات. إن التحديات التي نواجهها تختبر التزام المجتمع الدولي بحماية السلام، وإصراره على نصرة العدالة، وشجاعته في إجراء إصلاحات جريئة. يجب أن نقف متحدين ونتحرك معاً للدفاع عن الأمم المتحدة، وإحياء دورها، وتعزيزها.
أولاً، نحتاج إلى إعادة إحياء ميثاق الأمم المتحدة لتعزيز القيادة الفاعلة. لقد أرست الميثاقُ النظامَ الدولي المتمحور حول الأمم المتحدة، والمعايير الحاكمة للعلاقات بين الدول، والأساس للقانون الدولي. وهو يمثل القاسم المشترك الأكبر للمجتمع الدولي في مرحلة ما بعد الحرب. إن السبب الجذري للفوضى في عالم اليوم ليس لأن روح الميثاق قد عفا عليها الزمن، بل لأن النظام الدولي والقواعد الأساسية الحاكمة للعلاقات الدولية، المنصوص عليها في الميثاق، لا تُحترم ولا تُطبق بشكل فعّال.
ينبغي على المجتمع الدولي العودة إلى الرؤية التأسيسية للميثاق، ونشر روحه، والوفاء بالالتزامات المنبثقة عنه. يجب علينا التمسك بالمساواة في السيادة، ومعارضة التدخل في الشؤون الداخلية؛ والتمسك بالتسوية السلمية للنزاعات، ومعارضة استخدام القوة؛ والتمسك بالنتائج الانتصارية للحرب العالمية الثانية، ومعارضة تمجيد تاريخ العدوان. ينبغي على جميع الدول الأعضاء مواءمة سياساتها مع روح الميثاق، والالتزام به والعمل وفقاً له بشكل مشترك. وعلى الدول الكبرى بشكل خاص، تقع مسؤولية الريادة من خلال الالتزام بسيادة القانون والمسار الصحيح، ويجب ألا تمارس المعايير المزدوجة، أو الاستثناء، أو التطبيق الانتقائي للقوانين.
ثانياً، نحتاج إلى إعادة إحياء سلطة مجلس الأمن لتعزيز قدرته على اتخاذ الإجراءات. يُعد مجلس الأمن جوهر آلية الأمن الجماعي الدولية، وهو الهيئة الأكثر شرعية وسلطة ضمن نظام الأمن متعدد الأطراف. وكلما زاد اضطراب العالم، زادت الحاجة إلى قيادة فعالة من مجلس الأمن لإدارة النزاعات وتداعياتها بفعالية.
إن عضوية مجلس الأمن لا تعطي امتيازات، بل مسؤوليات. ينبغي على الأعضاء تجاوز المصالح الوطنية الضيقة واستخدام المنافع العامة الدولية بمسؤولية. يحتاج مجلس الأمن إلى مواصلة تحسين نظامه الداخلي لضمان موضوعية واقتراحاته وحياديتها وشموليتها، وتجنب فرض المقترحات أو المبادرات المثيرة للجدل. ينبغي على الأعضاء الدائمين الخمسة زيادة التواصل والتنسيق بشأن المقترحات الرئيسية، والسعي لتحقيق أقصى قدر من القواسم المشتركة، وتقليل الخلافات والمواجهة، واتخاذ إجراءات فعالة للحفاظ على تضامن المجلس ومصداقيته. كما ينبغي على المجتمع الدولي الدفاع بضمير عن سلطة المجلس. فأي عمل عسكري أحادي الجانب يتجاوز تفويض المجلس أمر غير مقبول، وأي عقوبات أحادية تتجاوز قرارات المجلس تفتقر إلى الشرعية.
لقد أُنشئت عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة ونُفذت من أجل السلام. ينبغي تقييم قيمة وفعالية عمليات حفظ السلام، وإجراء الإصلاحات اللازمة لتحويلها وتطويرها بهدف حماية السلام بشكل حقيقي.
ثالثاً، نحتاج إلى إعادة إحياء التعاون الإنمائي العالمي لتعزيز حشد الموارد. يعد التنمية، باعتبارها مفتاح حل جميع المشكلات، ضرورة أن تبقى في صلب الأجندة الدولية. ونظراً للتأخر الشديد في تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، تحتاج الأمم المتحدة إلى تنسيق الإجراءات العالمية بقوة وحشد الموارد العالمية بشكل كامل. من المهم ترسيخ ركيزة التنمية، وتعزيز النظام الإنمائي، وتوفير المزيد من الدعم المالي والتقني والفكري لدول الجنوب العالمي في مجالات رئيسية مثل الحد من الفقر، وحث الدول المتقدمة على الوفاء بتعهداتها المتعلقة بتمويل التنمية.
يجب على الأمم المتحدة أن تعارض بحزم الحمائية والإجراءات الأحادية، ومعارضة تسييس القضايا الاقتصادية والتجارية، ومعارضة الحصار التكنولوجي وفك الارتباط وقطع سلاسل التوريد. ومن الضروري زيادة تمثيل الدول النامية وقدرتها على التعبير داخل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بشكل جاد. تدعم الصين الأمم المتحدة في تعزيز الحوار مع دول البريكس (BRICS)، ومجموعة العشرين، والبنك الجديد للتنمية، والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، من أجل إقامة نظام حوكمة اقتصادية ومالية عالمي ينفع الجميع ومتوازن.
رابعاً، نحتاج إلى إعادة إحياء منصة الحوكمة العالمية لتعزيز قدرة التنفيذ. في مواجهة التهديدات والتحديات الناشئة، لا يمكن لأي دولة أن تبقى بمنأى عن التأثير. إن الاستجابة الموحدة هي السبيل الوحيد للمضي قدماً. ينبغي علينا تعزيز الشعور بمجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية، واستبدال الإكراه بالتشاور، والنظرة ذات المحصلّة الصفرية بالنهج الرابح للجميع، والدوائر الصغيرة بالوحدة الأوسع. ينبغي لنا الدعوة إلى القيم المشتركة للإنسانية، وتعزيز التبادل والانفتاح بين الحضارات، ورفض فكرة صراع الحضارات وفكرة التفوق.
يجب أن نقف بحزم مع تعددية الأطراف، وأن نطلق العنان لدور الأمم المتحدة باعتبارها المنصة الأساسية للحوكمة العالمية، وندعم وضع قواعد دولية مقبولة عالمياً وآليات تنسيق تكون الأمم المتحدة القناة الرئيسية لها.
تدعم الصين قيام الأمم المتحدة بدور أكبر في التسوية السياسية للقضايا الساخنة، وتدعم استكشاف نموذج وساطة متكامل يشمل الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية وأصحاب المصلحة والوكالات المتخصصة. تدعو الصين إلى تسريع إجراءات المناخ، وإنشاء آليات منتظمة للمراجعة والمساءلة فيما يتعلق بالتزامات المساعدة المالية والتكنولوجية. ونظراً لما يجلبه الذكاء الاصطناعي من مخاطر أخلاقية وأمنية، فإننا بحاجة إلى إنشاء ضوابط مؤسسية سريعة تتمحور حول الأمم المتحدة. ينبغي وضع حلول شاملة لحوكمة الفضاء الخارجي والمناطق القطبية والفضاء السيبراني، لمنع تحول الحدود الجديدة إلى مجالات خارجة عن القانون تخضع لمنافسات ذات محصلّة صفرية.
خامساً، نحتاج إلى إعادة إحياء فعالية منظومة الأمم المتحدة لتعزيز حيويتها. تقع الأمم المتحدة في قلب النظام الدولي لما بعد الحرب. يجب تعزيز دورها، لا إضعافه، والحفاظ على مكانتها، لا استبدالها. ينبغي على الدول الأعضاء الوفاء بالتزاماتها المالية بإجراءات ملموسة، ودعم الأمم المتحدة في أداء ولايتها، والمساهمة بانتظام في قضايا الأمم المتحدة، بدلاً من الانسحاب التعسفي من المعاهدات والمنظمات، ناهيك عن إنشاء بدائل موازية.
وفي ضوء الوضع الجديد والتحديات، تحتاج الأمم المتحدة أيضاً إلى الإصلاح للتكيف بشكل أفضل مع تغيرات العصر، وأن تكون مجهزة بشكل أفضل للتنفيذ، وتحقيق نتائج ملموسة ويمكن الوصول إليها لشعوب العالم أجمع.
تدعم الصين التنفيذ المبكر لمبادرة الأمم المتحدة بمناسبة مرور 80 عاماً على تأسيسها، والالتزام بالاتجاه الصحيح للإصلاح، وتعزيز الفعالية. يجب احترام ملكية الدول الأعضاء، وضمان تقدم الركائز الثلاث (السلام والأمن، التنمية، حقوق الإنسان) بشكل متوازن، والاستجابة لتطلعات الدول النامية للحفاظ على تركيز الإصلاحات في مسارها الصحيح. ينبغي تبسيط الهيئات المتداخلة والولايات المكررة ضمن منظومة الأمم المتحدة، ودمج الموارد بشكل أفضل، وتعزيز ثقافة الكفاءة.
سيدي الأمين العام،
زملائي الأعزاء،
يصادف هذا العام الذكرى الخامسة والخمسين لاستعادة جمهورية الصين الشعبية لمقعدها الشرعي في الأمم المتحدة. وعلى مدار 55 عاماً، شاركت الصين، بصفتها عضواً دائماً في مجلس الأمن، بنشاط في أعمال الأمم المتحدة.
وسط الاضطرابات والتحولات الدولية، ترفع الصين رايتها عالية. طرح الرئيس شي جينبينغ الرؤية المهمة لبناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية والمبادرات العالمية الأربع، والتي حظيت سريعاً بدعم دولي واسع النطاق. وسط النزاعات العالمية المتكررة، تروج الصين لمحادثات السلام. نحن نمارس الطريقة الصينية في حل القضايا الساخنة، بما في ذلك مبادرة «مجموعة الأصدقاء من أجل السلام» بشأن الأزمة الأوكرانية على منصة الأمم المتحدة، مساهمين باستمرار بحكمتنا وجهدنا في الحفاظ على السلام العالمي. وسط الجمود التنموي العالمي، تعمل الصين على التمكين والتعزيز.
لقد حشدت مبادرة التنمية العالمية أكثر من 23 مليار دولار أمريكي من الأموال، ودعمت أكثر من 1800 مشروع تعاوني، ونفذت أكثر من 10,000 برنامج لبناء القدرات في الدول النامية، ودربت أكثر من 200,000 متخصص في مختلف المجالات، مما أعطى دفعة قوية لتنمية وتنشيط دول الجنوب العالمي. أثناء الأزمات العامة الكبرى، تسارع الصين لتقديم المساعدة.
في عام 2015، قدمت الصين دعماً كاملاً لثلاث دول في غرب أفريقيا لمكافحة فيروس إيبولا. ونحن الآن مستعدون لمساعدة جمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا بأقصى قدراتنا في تفشي إيبولا الأخير. وفي هذه اللحظة بالذات، توجد الفرق الطبية الصينية على الأرض تحارب المرض جنباً إلى جنب مع إخوتنا الأفارقة. عندما تواجه التعددية رياحاً معاكسة، تتحمل الصين مسؤوليتها. لقد وفينا بجدية بالتزاماتنا المالية بوصفنا ثاني أكبر مساهم في ميزانية الأمم المتحدة، وأنشأنا واستخدمنا بشكل جيد «صندوق الصين والأمم المتحدة للسلام والتنمية» و«صندوق التعاون الإنمائي العالمي والتعاون بين دول الجنوب»، وأطلقنا «المنظمة الدولية للوساطة» و«منظمة البيانات العالمية».
ونحن نستعد لإنشاء «منظمة التعاون العالمي في مجال الذكاء الاصطناعي»، ونتقدم بنشاط لاستضافة أمانة اتفاقية «بي بي إن جي» (BBNJ – التنوع البيولوجي البحري خارج نطاق الولاية الوطنية). ومن خلال ذلك، نبني أعمدة للتعددية من خلال إجراءات ملموسة.
تكمن عظمة الدولة في خدمة الصالح العام. يصادف هذا العام إطلاق الخطة الخمسية الخامسة عشرة للصين للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. ومن هذه النقطة التاريخية فصاعداً، ستواصل الصين التمسك بالمبادئ واتباع مسار العدالة. ومع جميع الدول، نسعى لتحقيق وحدة أكبر تحت راية التعددية، وتعزيز نظام حوكمة عالمية أكثر عدلاً وإنصافاً، والتحرك نحو هدف بناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية.
شكراً لكم.
