2026-04-20

د. محمد حسن محمد يكتب: تعليم اللغة الصينية في السودان بين التحديات والآفاق المستقبلية

كتب د. محمد حسن محمد

      لعل اليوم العالمي للغة الصينية يُعد مناسبةً ثقافية وعلمية بالغة الأهمية، إذ لا يقتصر على الاحتفاء بلغةٍ عريقة، بل يفتح آفاقًا واسعة للتواصل الحضاري وتعزيز التفاهم بين الشعوب. ومن واقع دراستنا للغة الصينية بقسم اللغة الصينية بجامعة الخرطوم، والعمل في مجال التدريس ووضع المناهج، يمكن القول إن هذا اليوم يحمل دلالاتٍ خاصة في السياق السوداني، خصوصًا في ظل التحديات التي فرضتها الحرب الأخيرة.

     لقد شكّلت الحرب في السودان ظرفًا استثنائيًا أثّر بعمق على العملية التعليمية عمومًا، وعلى متعلمي اللغة الصينية على وجه الخصوص. فقد أدت إلى تعطّل البنية التحتية التعليمية، وسفر الأساتذة الصينين علي دون رجعة ، ونزوح عدد كبير من الطلاب، وتراجع فرص التواصل المباشر مع الناطقين باللغة، إضافة إلى صعوبة الوصول إلى المصادر التعليمية. ومع ذلك، لم يتوقف قسم اللغة الصينية بجامعة الخرطوم عن أداء رسالته الأكاديمية، بل واصل التدريس بوسائل بديلة عبر المنصة التي اطلقتها جامعة الخرطوم، معتمدًا على التعليم عن بُعد، والمبادرات الفردية لأعضاء هيئة التدريس، في محاولة للحفاظ على استمرارية العملية التعليمية وعدم انقطاع الطلاب عن مسارهم الأكاديمي.

توقيع اتفاقية معهد كونفوشيوس العام 2006م

        وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الدور المهم الذي اضطلعت به السفارة الصينية في السودان خلال السنوات الماضية، حيث أسهمت بشكل فاعل في دعم انتشار اللغة الصينية في السودان. فقد دعمت تأسيس أقسام جديدة للغة الصينية في عدد من المؤسسات الأكاديمية، منها جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا؛ نتوقع ان يتم الإعلان عن قبول الطلاب في العام القادم للسنة الاولى، وكلية الأفق الجامعية، وجامعة النصر التقنية التي تدخل مجال تدريس اللغة الصينية بقوة وعزمة ومتابعة إدارية ودعم وتشجيع كبير ومن المتوقع ان تكون اسبق من غيها من الجامعات الخاصة تدريس اللغة الصينية، إضافة الي جامعة البحر الأحمر التي بدأت باكرا في إجازة منهج اللغة الصينية ولكن مع تغيير الإدارات فترت همتهم ولم يحرك الامر ساكناً ، جامعة بحري هي الأخرى بدت خطوات في إدخال اللغة الصينية من خلال عدة اجتماعات لوضع منهج يكون نواة لقسم اللغة الصينية، سبقتهم جامعة الزعيم الازهري التي كانت من اولي الجامعات التي إجازة منهج لغة صينية ضمن كلية الالسن واللغات لكنها لم ترى النور حتي الان ،أضف جامعات الخرطوم فان جامعة دنقلا كانت متحمسة جدا لادخال اللغة الصينية، ومن الملاحظ وجود عدد كبير من الجامعات قي شرعت في ادخال اللغة الصينية لكن لم تحسن الختام  وهو ما يعكس رؤية استراتيجية لتعزيز تعليم اللغة الصينية وتوسيع قاعدتها في السودان.

السفير الصيني السابق بالسودان ما شينمين

كما كان للسفير الصيني السابق دورٌ بارز في دعم البنية التحتية التعليمية، حيث أسهم في إنشاء مشروع مكتبة قسم اللغة الصينية بجامعة الخرطوم بدعم مباشر وتابع الامر الي ان حضر بنفس وقام بالافتتاح في مهرجان كبير شمل معارض وعمل مسرحي متميز عكس حب الطلاب واجادتهم وتميزهم في اللغة الصينية، وهو المشروع الذي يُعدّ شاهدًا حيًا على متانة التعاون الثقافي بين البلدين. واللافت أن هذا المبنى كان الوحيد الذي صمد خلال فترة الحرب ولم تطله أعمال التخريب، وهو اليوم جاهز لاستقبال الطلاب واستئناف الأنشطة التعليمية فور استقرار الأوضاع. ولم يقتصر الدعم على جامعة الخرطوم، بل امتد إلى إنشاء مكتبات مماثلة في جامعة كرري، وأخرى في كلية بحري الأهلية، مما ساهم في توفير مصادر تعليمية مهمة للطلاب والباحثين.

    وفي إطار تعزيز العمل المؤسسي، قام السفير الأسبق بتأسيس اتحاد لأساتذة اللغة الصينية في السودان، وهو خطوة مهمة نحو تنظيم الجهود الأكاديمية وتبادل الخبرات بين المختصين. كما واصل القائم بالأعمال لاحقًا دعم هذه المبادرات من خلال الإشراف على تأسيس المكتبات وتزويدها بالكتب والمعينات التدريسية. غير أن اندلاع الحرب أدى إلى توقف معظم هذه الأنشطة، وتجميد عدد من المشاريع التي كانت تسهم في تطوير تعليم اللغة الصينية.

القائم باعمال السفارة الصينية السابق تشيانغ شانغ هوا

ومن أبرز المؤسسات التي تأثرت بالحرب معهد كونفوشيوس، الذي كان يؤدي دورًا محوريًا في نشر اللغة والثقافة الصينية، وتنظيم الدورات والفعاليات الثقافية. ومع توقفه، تم الاعتماد على معاهد خاصة لسدّ هذا الفراغ، رغم أن أقسام اللغة الصينية في الجامعات الحكومية استمرت في أداء مهامها التعليمية، وإن بظروف صعبة.

مكتبة قسم اللغة الصينية جامعة الخرطوم – التشييد و الأثاث والكتب هدية من السفارة الصينية نوفمبر 2022م

      ورغم هذه التحديات، لم تغب روح المبادرة لدى قسم اللغة الصينية بجامعة الخرطوم، حيث تم الاحتفال بـمناسبة عيد الربيع الصيني في هذا العام ( سنة الحصان)، إلى جانب تنظيم مسابقات في الرموز والكتابة الصينية، وهو ما يعكس استمرار الحراك الثقافي والاهتمام المتجدد باللغة الصينية بين الطلاب.

إن مستقبل اللغة الصينية في السودان لا يزال واعدًا، فهناك شغف متزايد بين الشباب لتعلم هذه اللغة، إدراكًا لأهميتها في مجالات الاقتصاد والتجارة والتعاون الدولي. غير أن هذا المستقبل يتطلب دعمًا مؤسسيًا مستمرًا، خاصة في مرحلة ما بعد الحرب.

شو جيان، القائم باعمال السفارة الصينية بالسودان

من هنا، فإننا نأمل في استعادة الدور الفاعل للسفارة الصينية في دعم أقسام اللغة الصينية، والمساهمة في إعادة تأهيل ما دمرته الحرب، وتوفير الكتب والمعينات التعليمية، إلى جانب إعادة تفعيل دور معهد كونفوشيوس. إن الاستثمار في تعليم اللغة الصينية هو استثمار في مستقبل العلاقات السودانية الصينية، وفي بناء جسور من التفاهم الثقافي والمعرفي بين الشعبين.

وفي الختام، يظل اليوم العالمي للغة الصينية مناسبةً للتأمل في واقع هذه اللغة في السودان، واستشراف آفاقها المستقبلية، وتجديد الالتزام بمواصلة العمل الأكاديمي رغم كل التحديات، إيمانًا بأن العلم والثقافة هما الركيزة الأساسية لإعادة البناء والنهوض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *