افتتاحية :عيد تشينغمينغ.. حين تلتقي التقاليد العريقة بتضحيات العظماء
افتتاحية: المشهد الصيني
في رحاب الربيع حيث تتفتح الأزهار وتنمو الأعشاب الخضراء، يحل علينا عيد تشينغمينغ، ذلك اليوم الذي يجسد أعمق معاني الوفاء والحنين في الثقافة الصينية. إنه يوم تخرج فيه العائلات الصينية لتزين قبور أجدادها، وتقدم القرابين، وتستذكر مآثر من رحلوا، في مشهد مهيب يعكس استمرارية الحياة وامتنان الأحياء للأموات.
لكن عيد تشينغمينغ في الصين ليس فقط لتكريس ذكرى الآباء والأجداد، بل هو أيضاً مناسبة عظيمة لاستبسال أرواح الأبطال الذين ضحوا بأنفسهم فداء للوطن. في هذا اليوم، تقف الأمة الصينية بكاملها بخشوع أمام أرواح أبطال الجيش الأحمر الذين واجهوا الاحتلال الياباني بكل شجاعة وإيمان. إنهم أولئك الذين سطروا بأجسادهم الطاهرة أروع ملاحم البطولة، وقدموا أرواحهم رخيصة ثمنًا لكرامة الأمة وحريتها.
وفي وجدان هذا اليوم المهيب، لا يمكن أن نغفل عن أبشع جراح الحرب: مذبحة نانجينغ. هناك، في شتاء 1937، سقط أكثر من ثلاثمائة ألف شهيد من المدنيين العزل والجنود الأعزل، في مشهد بشع هزّ ضمير الإنسانية. بينما بقي على قيد الحياة اليوم واحد وعشرون ناجياً فقط، تحمل عيونهم ذاكرة لا تموت، وفي قلوبهم جروح لا تندمل. إن تراب تشينغمينغ الذي يلامس قبور الملايين في نانجينغ، هو تراب مبلل بالدماء والدموع. والناجون القلائل هم شهود العصر الأحياء، الذين يحملون الشعلة للأجيال القادمة ليقولوا للعالم: لن ننسى أبداً. إن عيد تشينغمينغ يمنحنا فرصة لنقف بخشوع أمام أرواح هؤلاء الأبرياء، ونعاهدهم بأن الذاكرة الصينية أقوى من كل محاولات الطمس.
وتمتد أيادي الوفاء لتشمل أيضاً أبناء الصين البررة الذين رحلوا عنا وهم يؤدون رسالتهم الإنسانية في ربوع السودان البعيدة. هناك، على أرض النيل الخصبة، كان هؤلاء العمال والمهندسون الصينيون يحملون مشاعل التنمية ليمهدوا الطريق أمام أشقائهم السودانيين. شيدوا الطرق والجسور التي ربطت القرى والمدن، وأقاموا السدود التي خزنت مياه الخير والبركات، وبنوا الموانئ التي فتحت آفاق التجارة والتبادل التجاري.
في مشاريع الطاقة والنفط، كانوا يبحثون عن مصادر القوة لتنهض السودان نحو مستقبل أكثر إشراقاً. وفي صناعة التعدين، استخرجوا خيرات الأرض بأيدٍ أمينة ومخلصة. لكن القدر شاء أن يرتحل بعضهم، وهم على رأس عملهم، ضحايا الحوادث أو الظروف القاسية، لكنهم في الحقيقة ضحوا بأنفسهم على مذبح التنمية والتعاون الإنساني.
نعم، إنهم شهداء التنمية، الذين أثبتوا أن الصين لا تبني الجسور فقط لتعبر عليها الأمم، بل تبني بها قنوات المحبة والتضامن الإنساني. إن دماءهم التي سالت على أرض السودان ليست مجرد دماء عمال، بل هي عصارة الروح الصينية التي تؤمن بأن التنمية الحقيقية هي تنمية يشترك فيها الجميع، وأن التضحية من أجل الآخرين هي أسمى معاني الإنسانية.
في هذا اليوم المهيب، أيها الصينيون الأبرار، أيها الأبطال الشهداء – في حقول نانجينغ، وفي جبال الجيش الأحمر، وفي سهول السودان – إن تراب تشينغمينغ يلامس قبوركم في كل مكان، والدموع تغسل وجوهنا ونحن نقرأ أسماءكم الخالدة. إن الأجيال القادمة ستبقى تردد سيرتكم العطرة، وستبقى المشاريع التي أسستم لها في السودان، والذاكرة التي زرعتموها في نانجينغ، شاهداً على نبلكم وعطائكم.
عيد تشينغمينغ، عيد الوفاء والتضحية، عيد الحب الذي يتجاوز الحدود والأزمنة. لترقد ارواح شهداءنا الأبرار بسلام، ولتعيش أوطاننا وشعوبنا في سلام ومحبة.
المشهد الصيني،أبريل 2026
