“لي فينغ ” شعلة لا تنطفئ.. وروح تُشعل مستقبل أمة
بقلم: رئيس تحرير المشهد الصيني
عبر عقود من الزمان، ظل اسم “لي فنغ” يتردد كنبض حي في وجدان الأمة الصينية، ليس مجرد ذكرى تُحيى في يوم من الأيام، بل منهج حياة، وبوصلة أخلاقية، وشعلة دافئة تنير الدرب في أصعب المنعطفات.
حين قال الرئيس شي جين بينغ: “روح لي فنغ يمكن للجميع تعلمها”، لم يكن يلقي خطابًا بروتوكوليًا، بل كان يوقظ ضميرًا جمعيًا، ويؤكد حقيقة جوهرية: أن العظمة لا تكمن في الألقاب البراقة، بل في الإيثار الخافت، وفي التفاني الصامت داخل كل موقع عمل، وفي كل ركن من أركان المجتمع.

اليوم، ونحن نقف على عتبة “الخطة الخمسية الخامسة عشرة”، ونرسم ملامح المستقبل للصين حتى عام 2035، تبرز “روح لي فنغ” ليس كقيمة تاريخية فحسب، بل كوقود استراتيجي لتحقيق التحديث الصيني النمط. فالتحديث لا يُبنى بالأسمنت والحديد فقط، ولا بالأرقام والقوانين وحدها؛ بل يُبنى بالإنسان، وبقيم الإنسان، وبقدرة هذا الإنسان على أن يرى في زميله أخًا، وفي وطنه بيتًا، وفي عمله رسالة مقدسة.
إن إعلان وزارة الدعاية باللجنة المركزية للحزب عن الدفعة الحادية عشرة من “النماذج الوطنية المتميزة في تعلم روح لي فنغ في المناصب”، والذي ضم 100 نموذج من خطوط المواجهة الأولى، من المصانع إلى الحقول، ومن الفصول الدراسية إلى غرف العمليات، هو رسالة واضحة للعالم ولأبناء الصين على السواء: إن محرك التنمية الحقيقي هو “الروح البشرية المُوقدة”. هؤلاء النماذج، الذين حولوا مكاتبهم إلى “محطات خدمة”، وقلوبهم إلى أوعية للعطاء، هم من يترجمون أهداف الخطة الخمسية من حبر على ورق إلى واقع ملموس. هم من يضمنون أن يكون النمو الاقتصادي “عالي الجودة” ليس فقط في ميزان التجارة، بل في ميزان الإنسانية.

كيف تساهم هذه الروح في بناء صين قوية ومزدهرة؟
إنها تساهم ببساطة التعقيد؛ فهي تحول “الوظيفة” إلى “رسالة”، و”المواطن” إلى “شريك في البناء”. عندما يتبنى موظف في محطة قطار روح لي فنغ، يصبح السفر أكثر أمانًا ودفئًا. وعندما يتبنى طبيب هذه الروح، تصبح الرعاية الصحية رحمة قبل أن تكون علاجًا. وعندما يتبنى عامل النظافة أو سائق الشاحنة أو المعلم هذه الروح، فإن كل ترس في آلة الدولة الضخمة يعمل بكفاءة أعلى، وبتناغم أعمق. هذا هو السر وراء قدرة الصين على تجاوز التحديات الهيكلية، ومواجهة الرياح المعاكسة في المشهد العالمي المضطرب؛ لأن التماسك الاجتماعي الناتج عن هذه الروح هو أقوى حصون الأمن القومي.

إن “الخطة الخمسية الخامسة عشرة” تضع نصب عينيها تحقيق قفزات نوعية في الابتكار، وفي التنمية الخضراء، وفي الرفاه الاجتماعي. ولكن لا ابتكار يزدهر دون إخلاص، ولا تنمية خضراء تستدام دون شعور بالمسؤولية تجاه الأجيال القادمة، ولا رفاه يتحقق دون تضامن اجتماعي حقيقي. هنا تكمن أهمية “محطات خدمة لي فنغ” التي انتشرت في الأحياء، والتي أصبحت جسرًا بين الحكومة والشعب، تحل المشكلات قبل أن تتفاقم، وتزرع الثقة قبل أن تتبخر. هذه المحطات هي الخلايا الحية في جسد المجتمع التي تضمن تدفق الدم الحيوي للثقة والاستقرار.
أيها القارئ، إن التحديث الصيني النمط ليس مشروعًا حكوميًا يُفرض من فوق، بل هو ملحمة شعبية تُكتب من الأسفل. كل واحد منا هو “لي فنغ” عصره. كل منا يملك موقعًا، مهما صغر، يمكن أن يكون منهارة ينطلق منها ضوء التغيير. إن الـ 100 نموذج الذين تم تكريمهم ليسوا كائنات خارقة، بل هم أناس عاديون قرروا أن يكونوا استثنائيين في حياتهم اليومية.

لنجعل من “روح لي فنغ” منهجًا عمليًا في عملنا اليومي. لنجعل من الإيثار ثقافة، ومن الإتقان عادة، ومن خدمة الناس غاية. فإن فعلنا ذلك، فإن الخطة الخمسية الخامسة عشرة لن تكون مجرد أرقام نمو، بل ستكون شهادة ميلاد لحضارة إنسانية جديدة تنبض من قلب الصين لتشرق على العالم.
إن الطريق إلى التحديث المفروش بالورود لا يخلو من الأشواك، لكن روح لي فنغ هي النور الذي يكشف الطريق، واليد التي تمسك بيد الآخر لعبور الجسر. فلنحمل الشعلة معًا، ولنجعل من كل يوم يومًا لي فنغ، ومن كل عمل خطوة نحو صين أقوى، وأكثر ازدهارًا، وأكثر إنسانية.
ففي النهاية، الأمم لا تُقاس بطول أبراجها، بل بعلو همم أبناءها.. وروح لي فنغ هي سقف تلك الهمم.
