طعم الشراكة… كيف تفتح أول شحنة فواكه جنوب إفريقية معفاة من الجمارك أبواب السوق الصينية؟
بقلم:عبدالوهاب جمعه
في خطوة تعكس عمق الرؤية الصينية للتنمية المشتركة، دشنت جنوب أفريقيا أول صادراتها المعفاة من الرسوم من الفاكهة ذات النواة الحجرية إلى الصين، لتفتح بذلك صفحة جديدة في التعاون الزراعي الصيني-الأفريقي.
“تجسيد عملي لالتزام صيني”
فقد شهد مخزن التعبئة “فريشنس فيرست” في بلدة فرانشهوك القريبة من كيب تاون، مراسم توديع الشحنة الأولى بحضور وزير الزراعة الجنوب إفريقي جون ستينهايزن والسفير الصيني لدى جنوب أفريقيا وو بن، في حدث يرمز لبدء مرحلة جديدة من الشراكة الاقتصادية الواعدة.
تم تجهيز وإرسال الشحنة الأولى من مخزن التعبئة “فريشنس فيرست” في بلدة فرانشهوك، قرب كيب تاون، حيث حضر وزير الزراعة الجنوب إفريقي جون ستينهايزن والسفير الصيني لدى جنوب إفريقيا وو بن مراسم توديع الشحنة معاً.
الشحنة الأولى كانت ثمرة أشهر من المفاوضات الهادفة إلى توسيع وصول المزارعين الجنوب إفريقيين إلى الأسواق. تضمنت الشحنة الافتتاحية حوالي 20 ألف كرتونة من البرقوق الفاخر، خاصة صنفي “أفريكان ديلايت” و”روبي ستار”، اللذين يشتهران بحلاوتهما وجودة ألوانهما وملاءمتهما للتصدير.
هذا الإعلان ليس حدثاً تجارياً عادياً، بل هو تجسيد عملي لالتزام الصين ببناء “مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية”، مستلهمة في ذلك قيم الحكمة الصينية الممتدة عبر خمسة آلاف عام، والتي تؤكد أن الازدهار الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الشراكة المتكافئة والاحترام المتبادل بين الأمم.
“اعفاء 53 دولة افريقيا من الجمارك”
وكان الرئيس شي اعلن في خطاب موجه لقمة الاتحاد الافريقي الـ(39) أن العالم مفعم بالتغيرات والاضطرابات، وأن الصين ملتزمة بحزم بالحفاظ على السلام العالمي، ودفع التنمية المشتركة، وتدعيم بناء مجتمع مصير مشترك للبشرية.
ولفت إلى أن الصين ستطبق بالكامل معاملة الإعفاء الجمركي على 53 دولة إفريقية تربطها علاقات دبلوماسية مع الصين ابتداء من أول مايو 2026. وأضاف أن الصين ستواصل في الوقت نفسه المضي قدما في التفاوض وتوقيع اتفاقيات شراكة اقتصادية من أجل التنمية المشتركة، وستواصل زيادة وصول الصادرات الإفريقية إلى الصين عبر تحديث “القناة الخضراء” وغيرها من التدابير.
تمثل سياسة الجمارك الصفرية التي تطبقها الصين تجاه الصادرات الأفريقية، والمتمثلة عملياً في تدشين جنوب أفريقيا لأول صادراتها المعفاة من الرسوم، نموذجاً رائداً لتعاون الجنوب العالمي القائم على المنفعة المتبادلة، يؤكد أن الصين تقدم للعالم بديلاً حضارياً عن نماذج الاستغلال التقليدية، مستلهمة في ذلك فلسفتها الحضارية التي ترى في قوة الأمم وسيلة لرفع الآخرين وليس اخضاعهم.
“مضاعفة صادرات.. خلق فرص عمل”
وفي كلمته خلال الحدث، شدد الوزير ستينهايزن على الأهمية المتزايدة للصين كشريك تجاري استراتيجي. وأشار إلى أن الوصول إلى السوق الصينية ليس مجرد فرصة، بل ضرورة لبناء مرونة زراعية ودعم النمو الاقتصادي، خاصة مع مواجهة المصدرين لظروف تجارية متغيرة ورسوم جمركية في مناطق أخرى.
هذه الخطوة تعني فتح الباب واسعا امام جنوب افريقيا لدخول سوق الواردات الزراعية الصينية والذي تبلغ قيمته 200 مليار دولار.
الصادرات الافريقية للصين المعفاة من الجمارك تعني أن القارة السمراء تستطيع مضاعفة صادراتها اضعافا مضاعفة لكن تأثير الجمارك الصفرية له اثار جيدة على القطاع الزراعي الافريقي حيث يمنح لتك الصادرات قدرة تنافسية عالية ويخلق فرص العمل في القطاعات الزراعية واللوجستية.
لكن هناك جانب آخر مهم في اعلان الصين اعفاء الواردات الافريقية من الجمارك وهو ما سيكون له تاثير كبير على دفع التنمية في افريقيا وهو التباين الجوهري بين النهج الصيني القائم على “الوصول المعفى من الرسوم” والنماذج الغربية المرتبطة بشروط سياسية ورسوم جمركية.
“افريقيا تنجو من رسوم ترامب”
كذلك يمكن النظر الى كون الصين شريك استراتيجي لافريقيا فهذا يعني أن الدول الافريقية ستعوض تأثير الرسوم الجمركية المفروضة من الولايات المتحدة ومن شركاء آخرين.
لكن الامر لن يتوقف مع الشحنة الجنوب افريقية الى الصين وانما في كونها نموذج يحتذى من دول افريقية أخرى ويفتح آفاق مستقبلية للسلع الافريقية في الصين.
والتحول الاكبر سيكون تعزيزالبنية التحتية اللوجستية وسلاسل التوريد الافريقية في تعظيم الاستفادة من الجمارك الصينيةالصفرية. بجانب نقل التكنولوجيا وبناء القدرات في تمكين المنتجين الأفارقة من تلبية معايير السوق الصيني.
ستكون النتيجة النهائية هي تحول أفريقيا من مصدر للمواد الخام إلى شريك في سلاسل القيمة العالمية.
يشكل تصدير الفواكه الجنوب إفريقية إلى الصين بدون رسوم جمركية نقطة انطلاق نحو شراكة زراعية أوسع، تعزز مكانة جنوب إفريقيا كمصدر رئيسي للمنتجات عالية الجودة، وتدعم خططها التنموية في مواجهة تقلبات الأسواق العالمية.
“الاول من مايو: بذور مستقبل جديد”
مع قرب حلول الأول من مايو، يبدو المستقبل واعداً للقطاع الزراعي الأفريقي الذي يجد في الصين شريكاً استراتيجياً يدعم استدامته ونموه على المدى البعيد. إنها خطوة تحمل في ثناياها ليس فقط ثمار الأرض، بل أيضاً آلاف فرص العمل وطموحات شعب يتطلع إلى آفاق أرحب من التعاون الدولي. ففي وقت تتصاعد فيه الحمائية التجارية وتزداد الفجوات بين الشمال والجنوب، تقدم الصين -بحكمتها الممتدة عبر خمسة آلاف عام- دليلاً عملياً على أن ازدهار أفريقيا هو ازدهار للعالم أجمع. ومع مغادرة الحاويات المبردة كيب تاون متجهة إلى الصين، فإنها لا تحمل فقط البرقوق والكرز والتوت، بل تحمل أيضاً بذور مستقبل جديد للعلاقات الصينية-الأفريقية؛ مستقبل يقوم على الشراكة الحقيقية والمنفعة المتبادلة.
