2026-04-23

افتتاحية: “عام الشعوب”… زيارة وانغ يي إلى أفريقيا تُحيي تقليدًا وتُطلق فصلاً جديدًا في الشراكة الحضارية

بكين:المشهد الصيني

في لحظةٍ تحمل في طياتها رمزيةً عميقة ورؤيةً استراتيجية، يتجه وزير الخارجية الصيني، عضو المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني وانغ يي، إلى قلب القارة الأفريقية في أولى جولاته الخارجية للعام 2026، ليُحيي بذلك تقليدًا دبلوماسيًّا راسخًا منذ 36 عامًا، ويُطلق رسميًّا “عام التبادل الشعبي بين الصين وأفريقيا” من مقر الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا. هذه ليست مجرد زيارة روتينية، بل رسالة واضحة من الصين إلى العالم: أن صداقتها مع أفريقيا ليست تكتيكًا مؤقتًا، بل خيارًا استراتيجيًّا راسخًا، متجذرًا في الاحترام المتبادل، والمنفعة المشتركة، والتضامن الحضاري.

منذ عام 1991، جعلت الصين من أفريقيا الوجهة الأولى لوزير خارجيتها مع كل بداية عام جديد — عادةٌ لا تضاهيها في الثبات سوى قوة العلاقة نفسها. وفي هذا العام، الذي يصادف الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين والدول الأفريقية، تكتسب الزيارة دلالةً استثنائية. فهي لا تُحيي ذكرى ماضية فحسب، بل تُرسّخ مسارًا مستقبليًّا يركّز على الإنسان، بعد أن وضع التعاون المادي — من طرقٍ وسككَ حديدية، إلى موانئَ ومحطاتِ طاقة — الأُسُسَ الاقتصادية والبنية التحتية الصلبة للشراكة. واليوم، يحين وقت بناء “الجسر الناعم”: جسر الثقافة، والشباب، والتعليم، والفهم المتبادل.

إن اختيار إثيوبيا، مقر الاتحاد الأفريقي، كنقطة انطلاق، يُعبّر عن احترام الصين للقارة ككيانٍ موحّد، وعن التزامها بالتعامل مع أفريقيا من موقع الشريك المتكافئ، لا من موقع الوصاية أو التوجيه. وامتداد الزيارة ليشمل الصومال وتنزانيا وليسوتو يعكس تنوع الشراكة الصينية-الأفريقية، القادرة على أن تكون في آنٍ واحد عميقةً مع دولةٍ ناشئةٍ كالصومال، وراسخةً مع شريكٍ تاريخيٍّ كالتنزانيا، وداعمةً لدولةٍ صغيرةٍ كليسوتو، دون تمييز أو تفضيل، بل وفق مبدأٍ واحد: احترام الاختلاف، ودعم السيادة، ومراعاة الأولويات الوطنية.

وإذ تُطلق الصين والاتحاد الأفريقي “عام التبادل الشعبي”، فإن الهدف ليس فقط تنظيم فعاليات ثقافية أو تعليمية، بل زرع بذور “الانسجام الحضاري” بين شعوب تربطها رؤية مشتركة للعدالة، والتنمية، والعالم متعدد الأقطاب. ففي عالمٍ تتصاعد فيه التيارات الانعزالية، ويُهدَّد فيه النظام الدولي القائم على القواعد، يُقدّم التعاون الصيني-الأفريقي نموذجًا بديلًا: ليس قائمًا على الهيمنة، بل على التوازن؛ وليس على الابتزاز، بل على الدعم المتبادل.

ومن منصّتنا الرقمية “المشهد الصيني”، نرحّب بهذه الزيارة الرمزية بكل فخرٍ واعتزاز، ونرى فيها تجسيدًا حيًّا للقيم التي نؤمن بها: تضامن الجنوب العالمي ، واحترام الحضارات المتنوعة، وتمكين الشعوب من خلال التعاون الحقيقي، لا الخطابات الفارغة. ونحن على يقينٍ بأن “عام التبادل الشعبي” سيكون محطةً محورية في مسيرة بناء مجتمع مصير مشترك بين الصين وأفريقيا في العصر الجديد — مجتمعٌ لا يُبنى بالخرسانة وحدها، بل بالقلوب التي تتفاهم، والعقول التي تتعاضد، والآمال التي تتكامل.

لقد بدأت رحلة وانغ يي، لكن صداها سيتردد طوال العام، بل طوال العقود القادمة. ففي كل طالب أفريقي يدرس في جامعة صينية، وفي كل فنان صيني يعرض في داكار أو لاغوس، وفي كل مشروع تنموي يُدار بمشاركة محلية حقيقية، نرى مستقبلًا لا يُكتَب بحبر السياسة وحدها، بل بحبر الإرادة المشتركة لشعوبٍ قرّرت أن تصنع مصيرها معًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *