مقال تحليلي: نحو شراكة استراتيجية صينية-كندية جديدة
بكين:المشهد الصيني
تُعد الزيارة الرسمية التي قام بها رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى الصين في يناير 2026، بمثابة نقطة تحول حقيقية في مسار العلاقات الثنائية بين البلدين، بعد فترة من التوترات السياسية والتجارية التي شابتها السنوات الماضية. وقد جاءت هذه الزيارة، الأولى من نوعها منذ ثماني سنوات محمّلة برسائل سياسية واقتصادية عميقة، تُشير إلى رغبة مشتركة في إعادة ضبط العلاقة ضمن إطار شراكة استراتيجية جديدة، كما دعا إليها الرئيس الصيني شي جين بينغ.
الإطار السياسي: من التوتر إلى الشراكة الاستراتيجية
لقد وضع اللقاء بين شي جين بينغ ومارك كارني، وهو الثاني خلال أقل من ثلاثة أشهر، أسساً سياسية متينة لمرحلة جديدة من التعاون. فقد أكد الرئيس شي أن جوهر العلاقة بين البلدين يجب أن يقوم على الاحترام المتبادل، والسيادة الوطنية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وهي مبادئ تُشكّل جوهر الدبلوماسية الصينية الحديثة.
ومن جانبه، جدّد كارني التزام كندا بسياسة الصين الواحدة، وعبّر عن رغبته في بناء شراكة “قوية ومستدامة”، وهو ما يعكس تحولاً واضحاً في الخطاب الكندي، خاصة تحت قيادة حكومة جديدة تتسم، كما يرى المحللون، بالبراغماتية والعقلانية.
الأهم من ذلك، أن كلا الجانبين اتفقا على تعزيز التنسيق في المحافل الدولية مثل الأمم المتحدة ومجموعة العشرين ومنتدى آبيك، مما يدل على أن التعاون لم يعد ثنائي الطابع فحسب، بل يمتد إلى الاستجابة المشتركة للتحديات العالمية، من تغير المناخ إلى الأمن الغذائي.
البُعد الاقتصادي: حل الخلافات وبناء جسور المنفعة المتبادلة
في المجال الاقتصادي، حققت المشاورات بين البلدين تقدماً ملموساً. فقد أعلنت وزارة التجارة الصينية أن الجانبين توصلا إلى “ترتيبات محددة” لمعالجة الخلافات المتعلقة بالمركبات الكهربائية، ومنتجات الحديد والألومنيوم، والكانولا، والمنتجات الزراعية والمائية—وهي ملفات كانت مصدر توتر كبير في السنوات الماضية.
ومن أبرز نتائج هذه التفاهمات زيادة رحلات الطيران المباشرة، تحسين بيئة الأعمال، تسهيل إجراءات التفتيش والحجر الصحي للمنتجات الزراعية.
كل هذه الخطوات لا تُسهّل فقط حركة التجارة، بل تُعمّق رابطة المصالح المشتركة، وتفتح آفاقاً جديدة أمام الشركات الصينية والكندية. ويُظهر هذا النهج أن الصين لا تسعى فقط إلى توسيع أسواقها، بل إلى بناء علاقات تجارية متوازنة ومستدامة.
التعاون المالي: تبادل العملات كضمانة للاستقرار
أما على الصعيد المالي، فقد جدّد بنك الشعب الصيني وبنك كندا المركزي اتفاقية تبادل العملات بقيمة 200 مليار يوان (28.5 مليار دولار أمريكي)، لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد.
هذه الاتفاقية ليست مجرد أداة تقنية، بل تُعدّ درعاً مالياً يحمي البلدين من صدمات السوق، ويدعم استقرار أنظمتهما المالية. كما أنها تُعزز استخدام العملات المحلية (اليوان والدولار الكندي) في التبادل التجاري، مما يقلل الاعتماد على الدولار الأمريكي، ويعكس رغبة مشتركة في تنويع النظام المالي العالمي.
نموذج للتعاون في زمن التفكك
في وقت تزداد فيه الانقسامات الجيوسياسية، تقدم الصين وكندا نموذجاً نادراً وهو القدرة على إدارة الخلافات دون قطيعة، والسعي إلى التعاون رغم الاختلاف.
إن بناء “شراكة استراتيجية جديدة” لا يعني فقط تحسين العلاقات الثنائية، بل يُعدّ رسالة إلى العالم: أن التعددية، والاحترام المتبادل، والمنفعة المشتركة، لا تزال قيمًا قابلة للتطبيق في القرن الحادي والعشرين.
وبما أن كلا البلدين يمتلكان موارد هائلة الصين بقدرتها الصناعية والتقنية، وكندا بمواردها الطبيعية واستقرارها المؤسسي فإن مستقبل هذه الشراكة قد يمتد ليشمل قطاعات الطاقة النظيفة، والذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية الخضراء، مما يجعلها واحدة من أكثر الشراكات واعدة في المشهد الدولي المعاصر.
