2025-12-07

اكتشاف نقوش لـ”الأبل” على صخور قبل 12 ألف عام بالسعودية تشير إلى مصادر مياه حيوية 

الرياض:المشهد الصيني، ترجمة عن تقرير من وكالة رويترز

منذ حوالي 12,000 سنة، نقش الصيادون والجمعية من سكان الصحراء العربية صورًا للجمال وحيوانات أخرى بحجمها الطبيعي على منحدرات وصخور رملية، باستخدام الفن الصخري للدلالة على مواقع مصادر المياه، كدليل على كيفية تأقلم الشعوب القديمة مع بعض البيئات الأكثر قسوة على وجه الأرض.

أفاد الباحثون أن هذه النقوش الصخرية الضخمة تم اكتشافها جنوب صحراء النفود في شمال المملكة العربية السعودية، وتنتشر عبر مواقع تمتد على مسافة تقارب 30 كيلومترًا في تضاريس جبلية.

تحتوي نحو 60 لوحة فنية صخرية على أكثر من 130 صورة لحيوانات – معظمها جمال، إضافة إلى المها والغزلان والحمير البرية، وثور برّي (الأوريكس)، وهو نوع من الثدييات التي يُعتقد أنها السلف الوحشي للماشية المنزَّلة الحديثة. وبعض نقوش الجمال تتجاوز ارتفاعها مترين وطولها 2.6 متر.

في حين كانت العديد من الصور منحوتة على صخور يمكن الوصول إليها بسهولة من مستوى الأرض، فقد نُحت البعض الآخر على منحدرات شاهقة، منها واحدة على ارتفاع نحو 39 مترًا عن الأرض، تحمل 19 منقشة لجمال وثلاثة حمير.

قالت عالمة الآثار وباحثة الفن الصخري ماريا غوانغين من جامعة سيدني ومعهد ماكس بلانك للجيوأنثروبولوجيا في ألمانيا، وهي المؤلفة الرئيسية للدراسة المنشورة في مجلة “نايتشر كوميونيكيشنز”: “كان على النحاتين الوقوف على رف صخري مباشر أمام المنحدر”.

وأضافت: “كان من الممكن أن يكون تنفيذ هذه النقوش أمرًا خطيرًا للغاية، لأن الرف ضيق جدًا ويميل باتجاه الأسفل. كما أن الوقوف عليه كان يعني عدم القدرة على رؤية الصورة كاملة أثناء العمل. لكنهم امتلكوا المهارة لإنتاج تمثيل واقعي دقيق رغم ذلك”.

أوضح الباحثون أن هذه الأعمال الفنية الصخرية كانت تُستخدم للدلالة على مواقع مصادر المياه المؤقتة في تلك البيئة الصحراوية القاسية.

وقالت غوانغين: “نجت هذه المجتمعات القديمة في الصحراء من خلال التنقل بين البحيرات الموسمية، وقد علّموا مواقع هذه المصادر المائية والطرق المؤدية إليها من خلال نقوش صخرية ضخمة”.

استخدم الباحثون تقنية تُعرف بـ “التأريخ بواسطة التألق الضوئي”  (luminescence dating) على أدوات حجرية بسيطة عثروا عليها، وكانت تُستخدم في نحت هذه الأعمال، لتحديد أن النقوش تعود إلى الفترة بين 12,800 و11,400 سنة مضت.

وأوضحت غوانغين: “تُظهر النتائج أن هذه المجتمعات تمكنت من الاستقرار الكامل في البيئات الصحراوية في وقت أبكر بكثير مما كان يُعتقد سابقًا. ويجب أن تكون لديهم معرفة استثنائية بالمنطقة المحيطة بهم”.

وأضافت: “معظم صور الجمال تمثل ذكورًا في موسم التزاوج، ويمكن التعرف عليها من عضلات أعناقها المشدودة أثناء إصدارها صوتًا غامضًا في موسم التزاوج – الذي يحدث عادة في موسم الأمطار. وبالتالي فإن الفن الصخري يرتبط بموسم الأمطار، ويشير إلى الأماكن التي تتجمع فيها مياه الأمطار”.

وأشارت غوانغين إلى وجود أدلة تدل على أن هؤلاء الناس واصلوا إضافة نقوش جديدة إلى هذا الفن الصخري لمدة تتراوح بين ألفين إلى ثلاثة آلاف سنة.

ولا يعرف الباحثون ما إذا كانت هذه النقوش قد تم طلاؤها بالألوان في الأصل.

وقالت غوانغين: “النقوش مكشوفة للعوامل الجوية، وإذا كانت قد طُليت يومًا ما، فمن المرجح أن تكون الأصباغ قد تآكلت منذ زمن بعيد”.

خلال ذروة العصر الجليدي الأخير، قبل 20,000 إلى 25,000 سنة، كانت شبه الجزيرة العربية جافة جدًا لدرجة أنه لم يكن هناك أي تواجد بشري معروف. ولكن منذ نحو 15,000 سنة، بدأت فترة تساقط أمطار أكثر، فتشكلت مستنقعات وبرك مائية في بيئة صحراوية أصبحت أكثر خضرة تدريجيًا. ويُظهر الفن الصخري توقيت وصول الصيادين والجمعية الذين سكنوا المنطقة لاحقًا، وفقًا للباحثين.

قال عالم الإنسان ومؤلف الدراسة المشارك مايكل بيتراغليا، مدير مركز أبحاث التطور البشري الأسترالي في جامعة جريفيث: “هذه القصة لها صدى اليوم، لأن هؤلاء الناس أظهروا قدرات استثنائية على التوسع والتكيف والبقاء في البيئات الهامشية”.

وتشير بعض القطع الأثرية المستخرجة من الحفريات إلى تشابهها مع تلك الموجودة في مناطق أوسع، ما يوحي بوجود درجة من التفاعل بين هؤلاء الصيادين والجمعية وشعوب أخرى. لكن الفن الصخري الضخم لا يشبه أي شيء معروف في المنطقة الأوسع.

وأضافت غوانغين: “كان لهؤلاء المجتمعات اتصال مع مجموعات جوار في بلاد الشام على بعد أكثر من 400 كيلومتر، لكن لهم أيضًا هويتهم الخاصة. لقد علّموا بوضوح مصادر المياه بالنقوش الصخرية، لكننا لا نستطيع التأكد مما إذا كان ذلك يشير إلى حقوق الدخول، أو ربما يعبّر أيضًا عن أمنية بعودة المياه في الموسم القادم. ربما كانت هناك أسباب متعددة. ومن خلال الجهد الكبير المطلوب، يمكننا أن نستنتج أن هذا الفن الصخري كان مهمًا جدًا بالنسبة لهم”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *