2024-05-19

مجتمع المستقبل المشترك للصين والدول العربية … واقع يستدعيه التاريخ

في غمرة التطورات المتلاحقة التي يشهدها العالم بصفة عامة والصين والدول العربية بصفة خاصة جراء تفشي جائحة فيروس كورونا الجديد (كوفيد-19)، يسعى الجانبان الصيني والعربي إلى الارتقاء إلى مستوى الأحداث وتعزيز تعاونهما لمكافحة الوباء ومواجهة التداعيات السلبية الصحية والاجتماعية والاقتصادية الناجمة عن الجائحة

بقلم: دسوقي عبد الحميد

في غمرة التطورات المتلاحقة التي يشهدها العالم بصفة عامة والصين والدول العربية بصفة خاصة جراء تفشي جائحة فيروس كورونا الجديد (كوفيد-19)، يسعى الجانبان الصيني والعربي إلى الارتقاء إلى مستوى الأحداث وتعزيز تعاونهما لمكافحة الوباء ومواجهة التداعيات السلبية الصحية والاجتماعية والاقتصادية الناجمة عن الجائحة.

ومع الانعقاد المرتقب للاجتماع الوزاري التاسع لمنتدى التعاون الصيني العربي، تسطر الصين والدول العربية فصلا جديدا في التعاون الثنائي من شأنه دفع العلاقات الصينية – العربية إلى آفاق أرحب يمكن معها للجانبين تجاوز هذه المرحلة الصعبة من تفشي الجائحة وإعادة عجلة التنمية إلى مسارها السليم، فضلا عن تعزيز أواصر علاقات تمتد لآلاف السنين.

وأعلنت وزارة الخارجية الصينية مؤخرا أن الدورة التاسعة للاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون الصيني العربي ستعقد في 6 يوليو الجاري عبر دائرة الفيديو.

وسيرأس الاجتماع كل من عضو مجلس الدولة وزير الخارجية الصيني وانغ يي و وزير الخارجية وشؤون المغتربين الأردني أيمن الصفدي، بينما سيشارك فيه وزراء خارجية الدول الأعضاء بجامعة الدول العربية وكذلك الأمين العام للجامعة أحمد أبوالغيط.

رسالة إلى العالم

بينما دعا الاجتماع الوزاري الثامن لمنتدى التعاون الصيني العربي إلى بناء مجتمع المستقبل المشترك للصين والدول العربية، وفي ظل ما يكابده العالم من آلام على كافة الصعد الصحية والاجتماعية والاقتصادية جراء تفشي جائحة كوفيد-19، يأتي انعقاد هذه الدورة من الاجتماع ليبعث برسالة إلى العالم مفادها أن مجتمع المستقبل المشترك للبشرية ومجتمع المستقبل المشترك للصين والدول العربية، حقيقة يفرضها الواقع ويؤكدها التاريخ وترسم ملامحها الجغرافيا.

ففي قديم الأزل وقبل أن يعرف العالم المدنية والحداثة، تَواصَل أسفلانا شرقا وغربا عبر طريق الحرير القديم، الذي لم يكن شاهدا على التبادل التجاري والاقتصادي فحسب، بل مثل قناة هامة ورئيسية لتعارف الشعوب وتلاقح الثقافات وتلاقي الحضارات، ليعلمنا الأجداد درسا مفاده أنه لا يمكن لأي إنسان أو أي بلد أن يعيش بمفرده في هذا العالم، وأنه لا مكان في هذا العالم للإنعزالية والأحادية والحمائية التي لن تؤدي حتما إلا إلى نشوب النزاعات والصراعات وتخلف البشرية وتفكك أواصر تماسكها وتقدمها.

برهان جديد

يعد تفشي وباء كوفيد-19 أحد أبرز البراهين الجديدة التي تدلل على الحاجة إلى تكاتف العالم وتضافر جهوده لمواجهة أي طارئ جلل فضلا عن دفع مسيرة تطور الإنسانية، وأن مجتمع المستقبل المشترك للبشرية، بما في ذلك مجتمع المستقبل المشترك للصين والدول العربية الذي بادرت الصين بالدعوة إليه، لا يعكس إلا اتجاها إيجابيا ستعود فوائده ومنافعه على العالم أجمع طالما صدقت النوايا واستنفدت الجهود في سبيل ذلك.

ولعل تعاون الصين والعالم العربي في مواجهة جائحة كوفيد-19، خير شاهد على بناء مجتمع المستقبل المشترك للصين والدول العربية. ففي بداية تفشي الوباء في الصين، سارعت الدول العربية لتقديم المساعدات اللازمة إلى الصين قدر استطاعتها، وقامت دول عربية بإضاءة معالمها الحضارية والأثرية الشهيرة بألوان العلم الصيني تعبيرا عن دعمها للصين. وتبرعت الدول العربية للصين بأكثر من 10 ملايين كمامة وغيرها من المواد الطبية، حسبما ذكره وزير الخارجية الصيني وانغ يي. كما قام عدد كبير من المواطنين والدبلوماسيين العرب بتسجيل مقاطع فيديو يشجعون فيها الصين بصفة عامة، ومدينة ووهان بصفة خاصة، على مكافحة الوباء وبذل كل جهد ممكن في سبيل ذلك، مبشرين بانتصار التنين الصيني في نهاية المطاف على هذا العدو المشترك للبشرية. وكان لجهود الدعم والتشجيع هذه بالغ الأثر في أبناء الشعب الصيني البالغ عددهم 1.4 مليار نسمة.

يقول المثل الصيني: “قدمتَ لي خوخا، أرد عليك بيشم”. وبينما كانت الصين تحرز نجاحا كبيرا في احتواء الوباء، كان الوباء قد بدأ يتسلل إلى الدول العربية ويتفشى فيها، وهو ما دفع الصين إلى المبادرة لتقديم الدعم إلى الدول العربية، حيث أرسلت الصين المساعدات الطبية اللازمة لمواجهة الفيروس إلى مختلف الدول العربية وعقدت مؤتمرات افتراضية بين الخبراء الطبيين الصينيين ونظرائهم في 21 دولة عربية، لنقل خبراتها الوقائية والتقنية والعلاجية بشأن مكافحة كوفيد-19 بدون أي تحفظ، بل وسارعت لإرسال فرق من الخبراء الطبيين إلى العديد من الدول العربية للمساعدة في مكافحة الوباء في هذه الدول.

الحزام والطريق منصة انطلاق نحو المستقبل

في الوقت الذي يعاني فيه الاقتصاد العالمي ككل جراء تفشي جائحة كوفيد-19، تشتد حاجة الصين والدول العربية إلى تعزيز تعاونهما في إطار مبادرة الحزام والطريق لتعويض تأثيرات كوفيد-19. فثمة 19 دولة عربية وقعت على وثائق تعاون لبناء “الحزام والطريق” حتى الآن، فضلا عن أن المواءمة بين الاستراتيجيات التنموية للجانبين أصبحت أكثر دقة وفعالية. ومن “خطة التنشيط الاقتصادي” في مصر و”رؤية 2030″ في السعودية إلى “رؤية 2025” في الأردن، ترتسم خارطة طريق من شأنها ضخ دماء جديدة في شرايين التعاون الصيني-العربي؛ ومن مدينة الحرير الجديدة في الكويت ومشروع العاصمة الإدارية الجديدة في مصر إلى مشروع الطاقة الشمسية المركزة في دبي ومدينة محمد السادس/طنجة تيك في المغرب، تتعزز عرى التعاون بين الصين والدول العربية لتستشرف آفاقا جديدة تمكنها من تجاوز تداعيات الوباء.

وظلت الدول العربية مجتمعة أكبر مصدر للنفط الخام إلى الصين، حيث استوردت الصين 221 مليون طن من النفط الخام من الدول العربية عام 2019، ما يشكل 43.7 بالمئة من إجمالي واردات النفط الخام الصيني. وتشير البيانات الصادرة عن وزارة التجارة الصينية إلى أن حجم التجارة بين الصين والدول العربية وصل إلى 266.4 مليار دولار أمريكي في عام 2019، بزيادة 9 بالمئة على أساس سنوي. وتوضح البيانات أن الاستثمارات المباشرة الصينية في الدول العربية بأكلمها بلغت 1.42 مليار دولار أمريكي في عام 2019، بزيادة 18.8 بالمئة. كما بلغت قيمة عقود المشاريع المتعاقد عليها التي وقعتها شركات صينية مع دول عربية 32.5 مليار دولار أمريكي في العام الماضي، في حين وصلت قيمة أعمال الشركات الصينية في العالم العربي عام 2019 إلى 30.5 مليار دولار أمريكي، بزيادة 9.8 بالمائة على أساس سنوي.

ومما لا شك فيه أن العلاقات الصينية – العربية الضاربة بجذورها في أطناب التاريخ ستواصل نموها وازدهارها في الحاضر والمستقبل، كما كانت دوما على مر التاريخ، طالما توفرت الإرادة لدى الجانبين والتي لم تكن في أحسن أحوالها مما هي عليه الآن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تصفح ايضاً