2024-06-13

الحياة اليومية لـ” سعاد ” تحت الحجر الصحي المنزلي في مواجه الوباء ببكين

كيف هي الحياة اليومية لسكان بكين بعد ظهور حالات جديدة من الاصابات بكورونا المستجد؟ وكيف استجابت السلطات المعنية ببكين لتلك الحالات؟ الاعلامية الصينية ” سعاد ياي شين هوا ” تكشف الجانب الآخر لمعركة بكين في هزيمة كورونا المستجد من خلال تجربة شخصية بالعيش في وجه الوباء وجها لوجه.. تخلص سعاد الى القول: “مضت سبعة أيام منذ بدء حجري الصحي في المنزل، ولم أواجه أية مشكلة في الحياة خلال هذه الفترة. ورغم أنني أقطن وسط بؤرة بكين، لكني لم أشعر بخوف كبير وقلق شديد، بسبب وجود الرعاية والدفء حولنا وكذلك الإجراءات والتدابير الفورية المتخذة من قبل سلطة بكين المحلية للسيطرة على الوباء”.

الصين بكين الحياة اليومية سعاد ياي شين هوا

بكين : سعاد ياي شين هوا 

رغم أن الصين تعتبر من أول الدول التي تعرضت لتفشي فيروس كورونا المستجد، لكن لم اكن أتوقع أن الوباء سيقترب مني في يوم من الأيام.

منذ يوم الـ(11 ) من يونيو الجاري حتى يوم اليوم الثلاثاء  الـ(23 ) من يونيو ، سجلت ( 249 ) حالة مؤكدة محلية جديدة مصابة بفيروس كورونا المستجد في مدينة بكين.

بداية حجر صحي منزلي

 حدث ذلك بعد خلو المدينة من الحالات المؤكدة المحلية لمدة أكثر من 50 يوما متتاليا. وحسب التحقيقات المعنية بهذا الانتشار، أكدت السلطات الصحية المحلية بعد فترة وجيزة من ظهور الوباء أن معظم المصابين كان لديهم صلة وثيقة بسوق ” شينفادي” لبيع المنتجات الزراعية بالجملة. وبناءا على ذلك، قررت سلطة بكين المحلية إغلاق السوق في اليوم الثاني من ظهور أول حالة جديدة في بكين وتطبيق الحجر الصحي على 11 حي سكني قريب من السوق، بما فيها الحي السكني الذي أقيم فيه. ومنذ ذلك اليوم ، بدأت حياتي تحت الحجر الصحي المنزلي

بكين تتحرك سريعا للسيطرة على انتشار الوباء

سوق شينفادي لبيع المنتجات الزراعية بالجملة في جنوبي بكين

تقع سوق شينفادي لبيع المنتجات الزراعية بالجملة في جنوبي بكين، وتعتبر أكبر سوق جملة للخضروات واللحوم والمواد الغذائية بالمدينة، تؤمن السوق كميات كبيرة من إمدادات المواد الغذائية لسكان بكين. وتحتل السوق مساحة كبيرة تتجاوز أكثر من 1600 هكتار، والتي تساوي مساحة تتعدى مساحة 160 ملعب كرة قدم. وكان عدد الزائرين والعاملين في هذه السوق الكبيرة يصل الى عشرات الآلاف من الناس يوميا. وإذا انتشر الوباء بينهم، فستكون النتيجة قاتمة للغاية.

تحركت السلطات المحلية ببكين على الفور، وأغلقت السوق وجمعت أكثر من (5) آلاف عينة من المأكولات البحرية واللحوم والبيئة المحيطة لإجراء اختبار الحمض النووي لفيروس كورونا الجديد.

 جاءت نتيجة الاختبار إيجابية لأربعين عينة من البيئة المحيطة بسوق شينفادي. كما خضع كل العاملين في السوق والزائرين الذين ذهبوا إليها منذ نهاية مايو الماضي وكذلك السكان المقيمين بالأحياء السكينة القريبة منها، لاختبارات الحمض النووي.

 وسعت سلطات بكين نطاق الاختبارات إلى العاملين في المطاعم والأسواق المختلفة بأرجاء المدينة والسكان المقيمين بالمناطق التي توجد فيها مخاطر الإصابة بالعدوى الوبائية. وحتى يوم ال20 من يونيو، تم إجراء اختبار الحمض النوي على أكثر من مليون شخص من أبناء بكين.

فحوصات لسكان بكين

التقصي بأسباب الحالات المؤكدة الجديدة

بعد ظهور الحالات المؤكدة الجديدة التي كانت معظمها على صلة وثيقة بسوق الجملة شينفادي، تحركت السلطات الصحية المحلية ببكين بسرعة كبيرة. ووفقا للتحقيقات العلمية المعنية، أشار الخبراء المتخصصين بعلم الأوبئة إلى ان هناك سببين محتملين وراء عودة انتشار فيروس كورونا الجديد في بكين، أحدهما هو دخول الفيروس بكين عبر السلع الملوثة، والآخر هو انتقال كوفيد-19 عبر مصابين دون أعراض أو مع أعراض خفيفة قادمين من خارج بكين. وما زالت السلطات المعنية تعمل حالياً على جمع مزيد من البيانات لمعرفة أسباب تفشي كوفيد-19 المفاجئ في المدينة.

تعقيم الحي القريب من سوق شينفادي

ما هي الصلة بين سمك السلمون وانتشار الفيروس في بكين؟

أجرت السلطات المحلية في بكين  عملية البحث عن مصادر العدوى الفيروسية، حيث وجدت 40 عينة بيئية نتيجتها إيجابية للمرض في سوق شينفادي، بما فيها اكتشاف فيروس كورونا الجديد في لوح تقطيع سمك السلمون، الأمر الذي أحدث تساؤلات واسعة حول: ما إذا كان سمك السلمون ينقل فيروس الكورونا الجديد إلى الإنسان؟

وفي هذا الصدد، أشار الخبراء المتخصصين بعلم الأوبئة إلى أنه من الصعب تحديد مصادر العدوى في سوق شينفادي في الوقت الراهن، ولا يمكن اعتبار سمك السلمون كمصدر، بمجرد  وجود الفيروس على لوح التقطيع. علما أن الأسماك بصفتها كائنات منخفضة المستوى لم يحدث أي انتقال من فيروساتها إلى الإنسان سابقا، كما أنه لا يوجد دليل على أن الفيروس يمكنه التكاثر في الأسماك

الإجراءات المتخذة بخصوص السفر من وإلى بكين في موجة التفشي  للوباء

أعلنت بكين رفع مستوى الاستجابة لحالة الطوارئ الصحية من المستوى الثالث إلى المستوى الثاني منذ يوم الـ(16) من يونيو الجاري، وحددت أكثر من 30 حي سكني من فئة متوسطة المخاطر وحيين آخرين من فئة عالية المخاطر في المدينة. وبذلك، اتخذت بكين بعض الإجراءات بخصوص السفر من وإلى المدينة من أجل السيطرة على الوباء. وعلى سبيل المثال:

 الأشخاص الذين يقطنون الأحياء متوسطة وعالية المخاطر، والأشخاص ذوي الصلة من سوق المنتجات الزراعية في شينفادي، لا يُسمح لهم بمغادرة بكين.

  و الأشخاص الآخرين الذين يحتاجون إلى مغادرة المدينة، يجب أن يسجلوا نتائج سلبية في اختبار حمض نووي يكون أجرى خلال مدة لا تتجاوز سبعة أيام.

  و الأشخاص الذين يدخلون المدينة من الخارج سيخضعون لملاحظة طبية في أماكن محددة، وسيخضعون لاختبارات الحمض النووي.كما أعلنت بكين تعليق الرحلات الجماعية بينها وبين المقاطعات.

كيف هي الحياة اليومية لابناء المدينة؟

في ظل رفع بكين مستواها للاستجابة الطارئة ضد فيروس كورونا المستجد، لا تحتاج المدينة إلى توقيف العمل والإنتاج. لكن يجب على المؤسسات تخفيض نسبة التشغيل فيها، وتشجيع العاملين بها على العمل عن بعد. وفي الوقت الحالي، ما زالت حياة أبناء المدينة تسير بطريقة منظمة كما كانت في السابق، لكن بإلتزام تعليمات الأمن و الوقاية بصرامة أكثر من السابق للوقاية من الوباء.

تجربتي الشخصية  في فحص الحمض النووي لفيروس كورونا المستجد

الحي السكني الذي تقطن فيه سعاد

تبعد سوق الجملة شينفادي عن الحي السكني الذي أعيش فيه بأكثر من 500 متر، وتستغرق المسافة من بيتي الى السوق مشيا على الاقدام خمس دقائق فقط. فأصبح حينا السكني من أول الأحياء السكنية التي اغلقت فور ظهور الحالات المؤكدة بسوق الجملة.

 وفي يوم الـ(13)  وذلك بعد يومين من ظهور الحالات المؤكدة الجديدة ببكين، خضع كل سكان الحي لاختبارات الحمض النووي في الموقع المؤقت للفحص في حينا، حيث كان العاملون الطبيون يعملون بدون توقف وحتى منتصف الليل، لإنهاء  فحص كل سكان الحي في وقت قصير.

سكان حي سعاد يخضعون للفحص الطبي

كان الاختبار يجري بصورة منظمة وسريعة جدا، حيث تنتظر كل عائلة في المنزل، وعندما يأتي دورها، يتصل موظفو لجنة التنظيم بأحد أفراد العائلة هاتفيا لإخبارهم بالتوجه إلى الموقع.

كنت أظن أن الاختبار سيكون تجربة مؤلمة، ويحتاج إلى وقت طويل، بسبب وجود عدد كبير من سكان الحي. لكن تجربتي كانت عكس ذلك تماما. لقد كان العاملون الطبيون يقومون بفحصنا بكل صبر، وكانت تحركاتهم سريعة جدا.

سكان حي سعاد يصطفون بانتظار دورهم للفحص الطبي

وبفضل التنظيم السليم من قبل عاملي لجنة إدارة الحي،  لم يكن وقت الانتظار بطويل. واستغرق فحصي دقيقتين فقط. وفي النهاية، كانت نتيجة فحصي للفيروس سلبية، ومن المتوقع أن نخضع لاختبار جديد للحمض النووي بعد 14 يوما منذ إجراء الفحص الأول. وإذا كانت النتيجة سلبية، فيمكننا أن ننهي  الحجر الصحي في المنزل.

مساعدات متبادلة بين سكان الحي خلال فترة الحجر الصحي المنزلي

في اليوم الأول من الحجر الصحي، كنت قلقة على التزود بالمأكولات ومستلزمات الحياة، بسبب إجراء الإغلاق على الحي السكني. لكن، سرعان ما، وجدت أني لست في وضع مقلق على مثل هذه الأشياء.

سكان الحي يحصلون على حاجاتهم امام المجمع السكني

فمنذ بداية فترة الحجر، اتصل عاملو لجنة إدارة الحي بجميع السكان، وتم انشاء مجموعة لتطبيق ويتشات على الهاتف المحمول لكل السكان، وأرسلوا في المجموعة موقعا إلكترونيا لمنصة التسوق الخاصة بسكان الحي. ويمكننا أن نطلب عبره خضروات وفواكه ومستلزمات ضرورية.

فواكه طلبها سكان حي سعاد تصل اليهم طازجة

 كما طلبت لجنة الإدارة متطوعين من بين سكان الحي لتقديم الخدمات الضرورية للسكان الآخرين. وعندما تنقل البضائع المطلوبة  عبر التوصيل السريع إلى أمام الحي، يعمل المتطوعون وعاملو لجنة الإدارة على نقل البضائع إلى داخل الحي ووضعها أمام أبواب المنازل المعنية.

متطوع ينقل طلبات سكان حي سعاد الى داخل المجمع السكني

وتعيش بكين حاليا صيفا حارا، ويعمل العاملون والمتطوعون من الساعة التاسعة صباحا حتى الساعة السابعة مساء كل يوم وبدون توقف، وبفضل جهودهم الدؤوبة، لم تتأثر حياتنا ولو تأثرا بسيطا بسبب الحجر المنزلي.

متطوعون من سكان حي سعاد يعملون ليل نهار لتامين حاجات السكان

 ويعبر سكان الحي في مجموعة الهاتف عن شكرهم العميق للعمل الجاد والنبيل للمتطوعين والعاملين بالحي. ومن أجل تخفيف مهامهم، يفضل السكان عدم طلب البضائع غير الضرورية، وهذا هو ما إتفق عليه الجميع رغم أن لا أحد يطلبهم بفعل ذلك.

شكر وعرفان من سكان الحي للمتطوعين على عملهم المهم

  مضت سبعة أيام منذ بدء حجري الصحي في المنزل، ولم أواجه أية مشكلة في الحياة خلال هذه الفترة. ورغم أنني أقطن وسط بؤرة بكين، لكني لم أشعر بخوف كبير وقلق شديد، بسبب وجود الرعاية والدفء حولنا وكذلك الإجراءات والتدابير الفورية المتخذة من قبل سلطة بكين المحلية للسيطرة على الوباء.

أعلنت بكين في الأسبوع الماضي أنها سيطرت على الوباء، رغم أن حالات مؤكدة جديدة ربما ستظهر على التوالي خلال الأيام المقبلة. لكننا نثق بأن بكين تملك  قدرة وتجارب أكثر من السابق للتغلب على هذه الموجة  من الوباء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تصفح ايضاً