2024-06-14

براغماتية التنين الاحمر

خص د. بلال عبدالهادي ،المشهد الصيني بمقالة رصينة ” براغماتية الصين، تتبع جزور تلك البراغماتية، ومنحنا رؤية معمقة عن مظاهر تلك البراغماتية التي وسمت الشخصية الصينية منذ القدم

  • د. بلال عبدالهادي

يقال إنّ منبت البراغماتيّة هو الصين وليس الغرب، وهذا الكلام يقوله مفكّرون غربيّون درسوا الفكر الصينيّ، ومنهم الكاتب الفرنسيّ جاك جرنيه (Jacques Gernet)، والليونة البراغماتية تلخّصها عبارة رجل نهضة الصين وإنجازاتها الاقتصادية الراهنة الرئيس الراحل دانغ شياو بينغ (1904- 1997) القائل “لا يهمّ ما يكون لون الهرّ أبيض أو أسود، المهمّ أن يأكل الفأر”.

 في أيّ حال ثمة عدة أقاصيص وحكايات تظهر ليونة  الفكر الصيني الشبيه بليونة حركات التنين (الرمز الأسمى للصين) ورهافة عضلاته التي يمكن لها أن تتحرك في كلّ الاتجاهات،  كما أنّ الفكر الصيني يعتمد اعتمادا كبيرا على التشبيهات والاستعارات المائية لما يمتلكه الماء من خاصية مرنة، طيعة، هذا ما يلحظه قارىء كتاب “التاو” (الطريق) على سبيل المثال للفيلسوف الصيني “لاوْ تْزِهْ”(القرن السادس قبل الميلاد) مؤسّس الديانة التاويّة.

يروي الكاتب الصينيّ المقيم في فرنسا أندريه شيانغ حكاية تشير إلى أنّ الصينيّ لا يمكن أن تفرض عليه النظر إلى الأمور من وجهة واحدة، كما أنّ ليونته في التعامل مع الحقائق والمطلق أمر غاية في العجب، بل إنّ كلمات مثل “مطلق” أو “منطق” أو “هرطقة” كلمات ومفاهيم طارئة عليه، ليست من صميمه، ولم تدخل قاموسه الحياتيّ إلاّ حديثاً إثر الانفتاح على الغرب.

ومن طرائف اللغة الصينية أيضاً عدم وجود مفردتي “لا” و”نعم” أي ان عبارة “الإجابة بنعم أو لا ” غير موجودة في عالم الصين اللغويّ على الهيئة المعهودة في لغات أخرى، لأنّ الإجابة تكون حاسمة، قاطعة ونهائية بخلاف واقع الحياة المتبدل وغير النهائيّ وواقع فكرهم البراغماتي القائم على الكرّ والفرّ.

 وثمّة تعابير شائعة في أغلب اللغات ومنها العربية وهي ” لكلّ قاعدة استثناء” أو “الاستثناء يثبت القاعدة”، ولكن اللغة الصينية لم تحتضن مثل هذه التعابير أيضاً، لأن الصينيّ لا يؤمن، من أساسه، بصلابة عود هذه القاعدة أو باطّرادها المنتظم والصارم.

 يروي أندريه شيانغ قصة  معبد صيني مبنيّ وسط بحيرة اصطناعية كبيرة في  بكين، مما يجعل أمر الوصول إليه مستحيلا إلا على متن زورق أو عن طريق الجسور. ويشير الكاتب الصيني إلى حيرة السائح الغربي أمام تركيبة الجسور فهي متعرجة كمجرى نهر، مع انه لا يوجد أي عائق طبيعي يفرض هذه التركيبة الهندسية المتعرجة، أي أنّ الاعوجاج ليس وليد عائق جغرافي أو بسبب تضاريس قاهرة. إن الحيرة التي تصيب الغربي لا تصيب بالتأكيد الصيني المعتاد على أن ينظر إلى أي أمر من الأمور نظرات متعددة ومن زوايا مختلفة. يقول أندريه شيانغ شارحاً طبيعة الجسور المتعرجة: إن الجسر المستقيم ممكن جدا وتكاليف بنائه اقل ربما بكثير إلا انه يمنع الذاهب إلى المعبد من أن يتشبع بروح المكان وبالطبيعة المحيطة لأنّ عينيه ستكونان حبيستي نظرة واحدة أو اتجاه واحد، في حين ان منعرجات الجسر تسمح للذاهب إلى المعبد بأن يرى أكثر من مشهد أو يرى المشهد الواحد من زوايا متعددة، فهو أي الجسر يمنع، من جهة، سقوط العين في فخّ الرتابة، ويزوّدها، من جهة أخرى، بالمقدرة على تقليب النظر في المشهد وتغيير مرآه.

 ويبدو أنّ علاقة الصينيّ بالعين علاقة مميزة فعلاً، وهنا لا بدّ من العودة إلى أسطورة صينيّة شديدة الطرافة والدلالة على ولادة الخطّ الصيني المميّز ليلحظ المرء علاقة الصينيّ بعينيه. المعروف أن ليس هناك أيّ فضل  فينيقيّ على كتابة اللغة الصينية التي نبتت من تضاعيف تجربة الحضارة الصينية نفسها، ومن رؤيتها الذاتية للغة، فهي لم تستورد كتابتها من خارج حدودها، فهي كتابة تصويرية صينيّة بامتياز، وليست أبجدية أو صوتية، أي أن الكلمة الصينية لا تشير إلى صوت وإنما إلى معنى أو شكل أشبه بالفنّ التجريديّ!

 ولعلّ هذا السبب هو الذي جعل من إتقانها مسألة صعبة بصعوبة خرق سور الصين نفسه. وتروي الأسطورة الصينية أنّ ” #仓颉 صانْغْ دجيه” الكاهن في عهد مؤسس الإمبراطورية الصينية ” #皇帝خوانغ تي” هو الذي اخترع الكتابة عبر ملاحظة آثار أقدام الطيور على التراب! إلى هنا الأمر، إلى حدّ ما، عادي إذ من المعروف ارتباط بدايات الكتابات بالكهانة وطقوس السحر معاً في أكثر من حضارة، ( وكم من شخص حبس مصيره في “مكتوب” عبر الحضارات!) إلاّ أنّ الأسطورة احتفظت لنا برسمٍ دالّ لمبتكر الكتابة الصينية واسمه “صانْغْ دْجيه”، ومن يتأمل صورته يلحظ فوراً غرابة في تكاوين وجهه، فهو لا يملك عينين اثنتين وإنما أربع عيون، أي أنّه يمتلك حدّة في النظر لا تتوفّر لسائر الخلق إلاّ في الأساطير. ولا ريب في أنّ الكتابة التصويرية الصينية تحتاج إلى ذاكرة بصرية مرهفة لا تحتاج لها بقيّة اللغات القائمة على الكتابة الصوتية.

إنّ رمزية العيون الأربع في صورة “صانْغْ دْجْيِه” هي عملية تحرير الأمور من أغلال النظرة الواحدة أسيرة الايدولوجيا الصلبة والمغلقة.

  • بلال عبد الهادي

أستاذ مادّة السيمياء في الجامعة اللبنانية، وذو اهتمام باللغة الصينية والحضارة الصينية، وله مجموعة من الأبحاث والمقالات حول الصين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تصفح ايضاً